تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
دوّان ودبّاج ، فإذا تكرر الحرف الواحد في الكلام المنظوم والمنثور ، كان ثقيلا على الأنفس نازلا عن الفصاحة ، معيبا في البلاغة ، فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء :
وقبر حرب بمكان قفر * وليس قرب قبر حرب قبر « 1 »
فهذه القافات والراءات من الأحرف قد تكررت وتقاربت فأكسبت الكلام ثقلا وركة تبعد به عن الفصاحة وتنأى لأجله عن البلاغة ، وقد قيل إن هذا البيت من شعر الجن ، ولهذا قيل إن أحدا لا يكاد ينشده ثلاث دفعات إلا عثر لسانه ، وفي هذا دلالة على بعده عن السلاسة وقربه من الغثاثة ، وهكذا ورد في الحريريات وعد من ركيكها قوله :
وازورّ من كان له زائرا * وعاف عافى العرف عرفانه
فلما تكررت الراء والفاء فيه ، كان محتاجا إلى بيكار يضعه الناطق به في شدقه حتى يديره على تأليفه الذي خرج عن حد الاعتدال ، وهكذا ما فعله في رسالتيه اللتين جعل إحداهما على حرف السين ، والأخرى على حرف الشين ، فنالهما الثقل ومستهما البرودة من أجل ذلك ، ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال في كلام له أورده : حتى جنأت وجنات الحبيب ، فصاح رجل من الحلقة وماد وغشى عليه ، فقيل له ما حدث عليك فقال سمعت جيما في جيم في جيم فصحت ، وفي هذا دلالة على أنه يجب على البلغاء تجنبه والإعراض عنه .

الضرب الثاني في بيان المعاظلة في الألفاظ المفردة

وهذا يخالف ما سبقه لأن الأول معاظلة في حروف مفردة كما مر بيانه ، وهذه معاظلة في الكلم المفردة كالأدوات نحو من ، وإلى ، وعن ، وعلى ، وما شاكلها من أحرف المعاني ، فإذا وقعت في الكلام وكان السبك بها تاما جاريا على جهة الانتظام فهو حسن ، ومتى جاءت متقاربة أفادت التنافر والثقل على اللسان وكان ذلك مجانبا لجيد البلاغة وملح الكلام ورشيقه ، ومثاله قول المتنبي :
وتسعدني في غمرة بعد غمرة * سبوح لها منها عليها شواهد « 2 »
هامش
( 1 ) البيت أنشده الجاحظ ، وفي الإيضاح ص 6 . ( 2 ) انظر الإيضاح ص 8 ، وشرح التبيان 1 / 187 ، التبيان للطيبي 2 / 526 .