تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧

الجهة الخامسة من الاعتراض والطعن من جهة الصدق

وحاصل هذه الجهة أن القرآن إنما يراد لكونه حجة مقطوعا به ، وذلك لا يحصل إلا مع القطع بكونه صدقا ، والعلم بصدقه متوقف على العلم بأن الله تعالى صادق في خبره ، لأنا لو جوزنا على الله الكذب لم نقطع بصدق القرآن ، فإذن لا بدّ من الدلالة على صدق الله تعالى ليحصل العلم بصدق القرآن ، وأنتم لم تفرغوا من بيان هذه القاعدة ، وهي من أهم القواعد على صدق القرآن وكونه حجة على الأحكام الشرعية والأسرار الدينية وصحة ما تضمنه من العلوم . والجواب عما أوردوه أن الذي يدل على صدق الله تعالى عندنا هو ما تقرر من قواعد الحكمة ، وحاصلها أن الله تعالى حكيم لا يجوز عليه الكذب ، لأنه قد فقد داعيه إلى فعل الكذب ، وهو الجهل والحاجة ، وخلص صارفه عنه ، وهو كونه عالما بقبحه ، فيجب على هذا أن لا يفعله الله تعالى كما نقوله في سائر الأمور القبيحة ، فإن عمدتنا في أن الله تعالى لا يفعلها ، هو ما ذكرناه من تقرير قاعدة الحكمة ، وهذا هو الأصل في تنزيهه عن كل قبيح وعن الإخلال بكل واجب ، فأما الأشعرية فلهم على أن الله صادق مسلكان :

المسلك الأول منهما أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر عن كونه صادقا « 1 » ، فيجب القضاء بصدقه ، وأخبر عن كون الكذب ممتنعا على الله تعالى ،

وما ذكروه فاسد جدا لا يليق ذكره بأهل الفطانة ولولا أن ابن الخطيب أورده لما أوردناه ، لما اشتمل عليه من الضعف والركة ، وبيانه أن صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم متوقف على دلالة المعجز على صدقه ، والمعجز قائم مقام التصديق بالقول ، فإذن صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مستفاد من تصديق الله ، وتصديق الله إياه إنما يدل على صدقه ، لو ثبت كونه تعالى صادقا ، إذ لو جاز عليه الكذب لم يلزم من تصديقه تعالى أن يكون صادقا كما لا يلزم من تصديق الواحد منا غيره كون ذلك الغير صادقا ، لأجل جواز الكذب علينا ، فإذن العلم بصدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم موقوف على العلم بصدق الله تعالى ، فلو وقف العلم بصدق الله على العلم بصدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لزم الدور ، وأنه محال لما ذكرناه .

المسلك الثاني هو أن كلام الله تعالى قائم بنفسه ،

ويستحيل الكذب في الكلام النفسي ، لأنه يقوم
هامش
( 1 ) صحيح ، أخرجه بهذا المعنى البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن البراء ، وانظر صحيح الجامع ح ( 1451 ) .