تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦

الجهة الرابعة من الطعن على كونه حجة ،

وحاصلها أن القرآن إنما يستقيم كونه حجة ، إذا تقرر كونه من جهة الله تعالى ، ومن الجائز أن يكون ألقاه إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعض الملائكة ، أو بعض الجن ، أو الشياطين فلا يستقيم كونه حجة إلا بعد بطلان هذا الاحتمال . والجواب عما ذكروه من هذا الاحتمال البعيد يجرى على وجهين ، الوجه الأول منهما إجمالى ، وذلك من أوجه ثلاثة أولها أنا لو ساعدناكم على ذلك ، وكان مدعى النبوة كاذبا ، لوجب على الله تعالى أن يمنعه من ذلك لئلا يفضى إلى الإضلال بالخلق ، والتلبيس عليهم في أحوال دينهم ، لأن الحكمة مانعة ، فإن الله تعالى لا يجوز أن يسلط الشّبه على وجه لا يمكننا حالها ، وثانيها أنا لو جوزنا ذلك لجاز أن يكون جرى الشمس ، والقمر والنجوم ، والأفلاك كلها ، وجرى الفلك في البحر وغير ذلك من الأمور الهائلة لواحد من هذه الاحتمالات ، وخلاف ذلك معلوم بالضرورة ، وثالثها أن هذه الوجوه لو كانت محتملة لذكرتها العرب في القدح في نبوته ، لأن من المعلوم ضرورة حرصهم على ما كان مبطلا لدعواه فلما لم يذكروا شيئا من هذه الاحتمالات دل على بطلانها وفسادها . الوجه الثاني منهما تفصيلي : وذلك يكون من أوجه ، أولها أنا نعلم بالضرورة علما لا مرية فيه ، أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم هو الآتي بالقرآن ، فإذا كان ما ذكرتموه من الاحتمال يدفع هذا العلم ، وجب القضاء بفساده ، وثانيها أنه لا طريق إلى إثبات الجن ، والملائكة ، والشياطين ، إلا بالسمع ، فكيف يصح الطعن في النبوة والقرآن بما لا يكون ثابتا إلا بعد ثبوتهما ، وثالثهما أنه قد تحدى جميع الخلق الأحمر ، والأسود ، والجن ، والشياطين ، بالقرآن ، وادعى عجزهم عنه ، فلو كان ذلك من فعلهم لتوفرت دواعيهم إلى معارضته ، لأن كل من نسب إلى العجز عن الشئ وكان قادرا عليه ، فإنه لا بد من أن يكون إثباته كما قررناه في حال الإنس ، ورابعها أنه كان ينهى عن متابعة الشياطين ، ويأمر بلعنهم والبراءة منهم ، ويحذر عن ملابستهم في المطاعم ، والمشارب ، والمساكن ، فلو كان الفاعل للقرآن هو الجن والشياطين لاستحال منهم نصرته مع شدة عداوته لهم ، وأمره بالبعد عنهم واللعن لهم ، وخامسها أن القرآن الذي ظهر على يد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لو جاز إسناده إلى الجن كما زعموه ، لجاز ذلك في كل كتاب يدعى كل إنسان أن تصنيفه ، أن يكون ذلك الكتاب من قبيل الجن ، وعند هذا يلزم في هذه الكتب المشهورة أن لا تكون مضافة إلى قائليها لمثل ما ذكروه في القرآن ، وهذا يؤدى إلى التشكيك في الأمور الضرورية وهو محال ، فبطل ما قالوه .