طامة الشورى ( 1 )
قلنا غير مرة : إن الله جل وعلا أرسل محمدا " صلى الله عليه وآله ، وشرع له دينا "
قيما " لا عوج فيه على لسان جبرئيل ، وأنزل عليه قرآنا " محفوظا " لا يأتيه
الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه .
ونص الله ورسوله على وصيه علي عليه السلام من أول يوم أعلن الرسول
الدعوة فيه فأمره الله بإنذار عشيرته الأقربين ، واستوزر عليا " عليه السلام وما
زال في كل مناسبة يرفع من شأن علي في أمر الخلافة ، حسبما تقتضيه
حكمته البالغة إلى أن جاء اليوم الذي أراد الله أن يتوفى فيه رسوله ،
ففي اليوم الذي قضى الرسول صلى الله عليه وآله فيه نحبه ، وبينما كان علي
ومن معه مهتمين في تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله ، قام الأنصار واجتمعوا في
سقيفتهم ، ورشحوا سعد بن عبادة ليكون خليفة ( 2 ) .
هامش
( 1 ) قال المؤلف : اقتبست هذه الجملة من تظلم الإمام علي عليه السلام في خطبته
الشقشقية التي يقول فيها : ( يالله وللشورى ) .
( 2 ) قال المؤلف : ولتجري هنا محاكمة مع الأنصار :
من سوغ لهم الاجتماع لترشيح سعد للخلافة ، والنبي صلى الله عليه وآله - بأبي وأمي - مسجى
لم يبرد جسمه الشريف بعد ؟ وأنتم الأنصار الذين آويتم ونصرتم ، وتعلمون
أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد خلف عليا " عليه السلام يوم الغدير ، وسمعتم بآذانكم ورأيتم
بأعينكم ، وبايعتم كما بايع الناس ، هل كان الأمر منكم على شك في
الرسول صلى الله عليه وآله ؟ أم ماذا ؟ أم طمحت نفوسكم إلى أن تكون الرئاسة فيكم وإن
كنتم على غير حق ؟
فيا لله ويا للمسلمين ! ! هل مات رجل عادي من الناس من الذين لا يعبأ بهم حتى
أتيتم بما أتيتم به ؟ ! فكان الواجب عليكم أن تقوموا بتجهيز من كان سببا "
لإنقاذكم من هوة الكفر إلى الإسلام ، ورفع مكانتكم من الذل إلى أوج
المجد ، وكان على الأقل أن تعزوا آله بموته ، ثم تجتمعوا وتتشاوروا في أمر
الخلافة على فرض أن النبي صلى الله عليه وآله لم يوص ! ! ولكن تعلمون أن المهاجرين
مصممون على نقض العهد ، وتعلمون أن الأمر إن لم تسبقوا إليه استولى
عليه غيركم ، وتحكم بكم ، ولو أن الزعيم سعدا " انضم إلى علي عليه السلام ومعه
من قومه من يوافقه ، لما ذهبت الخلافة عن أهلها ، وكان له حظ وفير من
حسن السمعة ، وأجر عند الله عظيم .
ولكن قوله في السقيفة بعد فشله من الخلافة : لا تبايعوا إلا عليا " ! ! لا تمحو له ما
اكتسب من الإثم شيئا " ، وصدرت منه بعد اليأس وبعد خراب البصرة ، ولما
كان تحكم به عمر إذ تقابل هو وعمر يوما " فقال له : ( كيف رأيت ما حل
بك ؟ ) ، فأجابه : إني لم أحضر معكم في جماعة أبدا " . فطلب منه أن يهاجر
من البلاد ، فهاجر إلى البلاد الشامية ، ومات في بلدة حمص . وقيل : قتله
خالد بن الوليد غيلة .
أقول : ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج : 10 / 111 قصة مقتله ، وقال : إن
أمير الشام يومئذ { معاوية } كمن له من رماه ليلا " ، وهو خارج إلى الصحراء
بسهمين ، فقتله لخروجه عن طاعة الإمام . . . .