تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
معلوما في النفس لا يقع فيه شك ، فما هذا حاله أنت فيه بالخيار بين تأكيده وتركه ، وثانيهما : أن يكون غير معلوم أو يكون مشكوكا فيه ، وما هذا حاله فالأولى تأكيده ، لإزالة احتماله ، ثم التأكيد في الضمائر بالإضافة إلى الاتصال والانفصال على أوجه ثلاثة ، أولها تأكيد المنفصل بمثله ، وهذا كقولك أنت أنت وأنا أنا . قال أبو الطيب المتنبي « 1 » :
قبيل أنت أنت وأنت منهم * وجدّك بشر الملك الهمام
فقوله أنت أنت من تأكيد المنفصل بمثله ، وفائدته المبالغة في مدحه بأبلغ ما يكون ، فإنه لو مدحه بما شاء الله من الأوصاف الدالة على الثناء لما سدّ مسدّ قوله أنت أنت ، كأنه قال أنت المشار إليه بالفضل دون غيره ، فأما قوله وأنت منهم ، فإنه وإن كان دالا على المدح ، لكنه خارج عما نحن فيه من التأكيد وأراد وأنت من هذا القبيل ، يريد مدح قبيلته بكونه منهم ، فتأمل ما تضمنه هذا البيت من مدحه ، ومدح القبيلة ومدح جده ، وهذا من بدائع أبى الطيب ونفيس معانيه . وثانيها تأكيد المتصل بمثله في الاتصال ومثاله قولك : وإنك إنك لعالم ، وكقوله تعالى في سورة الكهف في آية السفينة بعد المخالفة :
قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 72 )
[ الكهف : 72 ] من غير تأكيد ثم قال في آية القتل الثانية :
قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ
[ الكهف : 75 ] بالتأكيد ، والتفرقة بين الأمرين هو أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى ، لأن المخالفة في الثانية أعظم جرما ، وأدخل في التعنيف لأجل الإصرار على المخالفة ، فلهذا ورد العتاب مؤكدا بعد الخلاف لما ذكرناه . وثالثها توكيد المتصل بالمنفصل ومثاله قوله تعالى :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ( 67 ) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ( 68 )
[ طه : 67 - 68 ] فهذا التوكيد قد دل على طمأنينة نفس موسى ، وعلى الغلبة بالقهر والنصر ، وفي قوله : إنك أنت الأعلى ، نهاية البلاغة ، بدليل أمور ستة ، أما أولا فإتيان « إن » المشددة في أول الخطاب لتأكيد الأمر وتقدير ثبوته ، وأما ثانيا فتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل مبالغة في تخصيصه بالقهر والغلبة ، وأما ثالثا : فالإتيان بلام التعريف في قوله الأعلى ، ولم يقل أعلى ولا عال ؛ لأنها دالة على الاختصاص كأنه قال أنت الأعلى دون غيرك ، وفيه تعريض بأمرهم ، وتهكم بحالهم ، وإبطال لما هم عليه من
هامش
( 1 ) البيت للمتنبى في ديوانه 1 / 148 ، وشرح التبيان للعكبرى 2 / 364 .