تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
أطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة من عنقه ، فقوله « أطعن » ، « وأطأ » ، على صيغة الفعل المضارع إنما جرى على قصد المبالغة .

الوجه الثاني : [ الانتقال من المضارع إلى الماضي ] ،

وهذا كقوله تعالى :
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ النمل : 87 ] لأن إيثار الماضي والعدول إليه دال على مبالغة في الثبوت والاستقرار ، ومن هذا قوله تعالى :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ
[ الكهف : 47 ] ولم يقل : « ونحشرهم » . وقد يعدل إلى لفظ اسم المفعول عن الفعل الماضي ، إجراء له مجرى الفعل المضارع ، ومثاله قوله تعالى :
ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ( 103 )
[ هود : 103 ] لأن التقدير فيه ، « ذلك يوم يجمع فيه الناس » ، ويؤيده قوله تعالى :
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ
[ التغابن : 9 ] . ومما جاء في الالتفاتات من الأبيات الشعرية قول جرير « 1 » :
متى كان الخيام بذى طلوح * سقيت الغيث أيّتها الخيام
فهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب . وكقول امرئ القيس « 2 » :
تطاول ليلك بالإثمد * ونام الخلّى ولم ترقد وبات وباتت له ليلة * كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبأ جاءني * وخبّرته عن أبي الأسود
الأبيات ، فتحصل من مجموع ما ذكرناه أن أهل البلاغة من العرب دأبهم الالتفات ، ويستكثرون منه ، وما ذاك إلا لأنهم يرون الانتقال من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبول عند السامع وأكثر لنشاطه ، وأعظم في إصغائه ، وإذا كانوا يستحسنون قرى الأضياف وهو دأبهم وعليه هجيرهم وعادتهم فيخالفون فيه بين لون ولون ، وطعم وطعم ، أفلا يستحسنون نشاط الأفئدة وملاءمة القلوب بالمخالفة بين أسلوب . وأسلوب ، بل يكون هذا أجدر فإن اقتدارهم على مخالفة أساليب الكلام أكثر من اقتدارهم على مخالفة الأطعمة ؛ لأن البلاغة في الكلام عليهم أيسر ، وهم عليها أمكن وأقدر ، فهذا ما أردناه من إيراد ما يتعلق بالالتفات من الخطاب .
هامش
( 1 ) البيت لجرير في ديوانه ص 385 ، والمصباح ص 33 . ( 2 ) انظر الأبيات في المصباح ص 35 ، والإيضاح ص 79 بتحقيقنا ، وهي لامرئ القيس في ديوانه / 334 ، والمفتاح ص 107 ، وخزانة الأدب / 60 ، ونهاية الأرب 7 / 117 ، والتبيان للطيبي 2 / 349 الإثمد : موضع ، والخلي : الخالي من الهموم ، وقوله « وبات وباتت له ليلة » الأولى تامة ، والثانية يجوز أن تكون ناقصة وأن تكون تامة ، ويجوز أنه أراد « وبات في ليلة » فنسب الفعل إلى الليلة مجازا ، والعائر : الذي في عينه قذى أو وجع ، وأبو الأسود : كنية أبيه حجر ملك بنى أسد ، والخبر الذي خبره عنه خبر قتلهم له