تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
أمر السحر ، وأما رابعا : فقوله الأعلى ، إنما جاء بلفظة أفعل ، ولم يقل العالي لأن مجيئها على جهة الزيادة في تلك الخصلة للمبالغة ، وأما خامسا : فتحقيق الغلبة بقوله الأعلى ، لأن معناه الأغلب ، وعدل إلى لفظ الأعلى لما فيه من الدلالة على الغلبة بالفوقية لا بالمساواة ، وأما سادسا : فلأنه أتى بقوله إنك أنت الأعلى ، على جهة الاستئناف ، ولم يقل قلنا لا تخف لأنك أنت الأعلى ؛ لأنه لم يجعل عدم الخوف سببا لكونه غالبا عليهم ، وإنما نفى عنه الخوف بقوله لا تخف ، ثم استأنف الكلام بقوله إنك أنت الأعلى ، فلا جرم كان أبلغ في شرح صدر موسى وأقر لعينه في القهر والاستيلاء ، فينحلّ من مجموع ما ذكرناه إفادة البلاغة من التأكيد كما أشرنا إليه ، وهذا من لطيف علم البيان ، ومما تكثر فيه النكت والغرائب البديعة ، فأما تأكيد المنفصل بالمتصل فلم يرد في كلام العرب فلا حاجة بنا إلى الكلام عليه .

المسألة الخامسة [ الإظهار في موضع الإضمار ] ،

واعلم أن هذا وإن كان معدودا من علم الإعراب لكن له تعلّق بعلم المعاني ، وذلك أن الإفصاح بإظهاره في موضع الإضمار له موقع عظيم وفائدة جزلة ، وهو تعظيم حال الأمر المظهر والعناية بحقه ، ومثاله قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[ العنكبوت : 19 ] ثم قال بعد ذلك
ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ
[ العنكبوت : 20 ] فانظرا إلى إظهاره اسمه جل جلاله في قوله :
ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ
وكان قياس الإعراب ثم ينشئ النشأة الآخرة ، لأنه قد تقدم ما يفسر هذا الضمير وهو قوله :
كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ
والفائدة في ذلك هو المبالغة في الأمر المظهر وإظهار الفخامة فيه ، كقوله تعالى :
الْقارِعَةُ ( 1 ) مَا الْقارِعَةُ ( 2 )
[ القارعة : 1 - 2 ] وقوله :
الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ ( 2 )
[ الحاقة : 1 - 2 ] وقد يرد الإظهار على جهة الإنكار وشدة الغضب والتهكم بحالهم والتعجب من عنادهم وجحدهم ، وهذا كقوله تعالى :
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ( 1 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ ص : 1 - 2 ] ثم قال بعد ذلك
وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ ( 4 )
[ ص : 4 ] والغرض هو إفراط النكير عليهم والتعريض بأنهم الكفرة حقا أهل التمرد الذي لا شك فيه ، والمراء الذي لا مدفع له ، وفي التنزيل كثير من هذا ، ليدركه من كان له ذهن حاضر وفؤاد حديد وحظى من الله بتوفيق وألقى السمع وهو شهيد .