تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥

القسم الثالث في بيان الإيجاز من غير حذف فيه

اعلم أن من الإيجاز ما لا يكون فيه حذف يقدر ، من مفرد ولا جملة ، ويقال له إيجاز البلاغة ، وينقسم إلى ما يساوى لفظه معناه من غير زيادة ، ويسمى التقدير ، وإلى ما يزيد معناه على لفظه ، ويسمى القصر ، فهذان ضربان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما ، وهذا القسم من الإيجاز له في البلاغة موقع عظيم ، دقيق المجرى ، صعب المرتقى ، لا يختص به من أهل الصناعة إلا واحد بعد واحد « ومهما عظم المطلوب قل المساعد » .

الضرب الأول في بيان [ الإيجاز بالتقدير ]

وهو الذي تكون ألفاظه مساوية لمعناه لا يزيد أحدهما على الآخر بحيث لو قدر نقص من لفظه لتطرق الخرم إلى معناه على قدر ذلك النقصان ، ولنشر منه إلى أمثلة خمسة . المثال الأول : ما ورد من كتاب الله تعالى وهذا كقوله تعالى :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 )
[ عبس : 17 - 23 ] فقوله قتل الإنسان ، أبلغ دعاء على الإنسان ، لما فيه من إذهاب الروح بسرعة وفجأة ، وهو أعظم في الفجيعة وقوله ما أكفره ، تعجّب من شدة الإفراط في كفره لنعم الله ، فلا يكاد يقرع السمع أسلوب أغلظ من هذا الدعاء والتعجب ، ولا أبلغ في الملامة ولا أقطع للمعذرة ، ولا أعظم دلالة على السخط مع تقارب أطرافه وقصر متنه ، ثم أخذ في صفة حاله من مبدأ حدوثه إلى منتهى زمانه فقال . من أي شيء خلقه ؟ استفهام وارد على جهة التهكم والتقرير ، ثم قال من نطفة خلقه ، كأنه قال تأمل وانظر من أي شيء خلقتك على عظم هذه المخالفة وكفران أنعمى عليك ، إنما خلقتك من نطفة وأي نطفة في الغلظ والبشاعة ونتن الرائحة ، فقدره ، فأحكم قوام خلقته وسواها على جهة التعديل في مطابقة المنافع ، ثم السبيل يسره ، إما سهّل خروجه من بطن أمه ، وإما يسر سبيله إلى ثدي أمه ، وإما يسر سبيله من سلوك طريق الخير والشر ، كما قال :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 )
[ البلد : 10 ] ،
ثُمَّ أَماتَهُ
نزع منه ما ركّب فيه من الروح ، لما يريد من إعادته « فأقبره » أي جعله في قبره يوارى فيه جيفته كيلا تمزقه السباع
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 65 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي