تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
الفصاحة . ومن الإيجاز بالتقدير ما قاله علي بن جبلة :
وما لامرئ حاولته منك مهرب * ولو حملته في السماء المطالع بلى هارب لا يهتدى لمكانه * ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
ومن ذلك ما قاله النابغة الذبياني « 1 » :
فإنك كالليل الذي هو مدركى * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
ومن ذلك ما قاله الأعشى في اعتذاره إلى أوس بن لأم لما هجاه :
وإني على ما كان منى لنادم * وإني إلى أوس بن لأم لتائب وإني إلى أوس ليقبل عذرتى * ويصفح عنى ما جنيت لراغب فهب لي حياتي والحياة لقائم * بسرك منها خير ما أنت واهب سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق * كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب
ولقد أتى الأعشى في شعره هذا بالعجب العجاب وحير فيه الأفئدة وسحر الألباب ، لما ضمنه فيه من رقة الألفاظ ، التي تولّع بها كلّ ذكى حفّاظ .

الضرب الثاني في بيان [ الإيجاز بالقصر ] ،

وهو الذي تزيد فيه المعاني على الألفاظ وتفوق ، وكتاب الله تعالى مملوء منه ، ولنورد فيه أمثلة خمسة كما فعلنا بالضرب الأول بمعونة الله تعالى . « المثال الأول » قوله تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 )
[ الأعراف : 199 ] فقد جمع في هذه الآية جميع مكارم الأخلاق ؛ لأن في العفو الصفح عمن أساء ، والرفق في كل الأمور ، والمسامحة والإغضاء ، وفي قوله
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
صلة الأرحام ، ومنع اللسان عن الكذب والغيبة ، وغض الطرف عن كل محرم ، وغير ذلك ، وفي الإعراض عن الجهال ، والصبر والحلم ، وكظم الغيظ . فهذه الألفاظ وإن قلّت فقد أنافت معانيها على الغاية ، ولم تقف على حد ونهاية ، وهذا النوع هو أعلى طبقات الفصاحة مكانا ، وأعوزها إمكانا . ومن هذا قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : 179 ] فانظر إلى هذه اللفظة الجميلة كم يندرج تحتها من المعاني التي لا يمكن حصرها ، ولا ينتهى أحد إلى
هامش
( 1 ) انظر الإيضاح / 177 بتحقيقنا ، والبيت أورده محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص 166 وهو للنابغة في النعمان ، وفي الكلام إشارة إلى تشبيه النعمان بالسيل في اندفاعه وقوته ، بعد تشبيهه بالليل ، تشبيها يلاحظ في وجهه الرهبة والخوف مع ضرورة اللحاق والإدراك ، والبيت من إحدى الاعتذاريات التي نبغ فيها النابغة الذبياني ، أبو أمامة زياد بن معاوية .