تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
وهذا نحو قوله تعالى :
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ
[ التوبة : 50 ] فالمصيبة مخالفة للحسنة من غير مضادة ، إلا أن المصيبة لا تقارب الحسنة ، وإنما تقارب السيئة ، لأن كل مصيبة سيئة ، وليس كل سيئة مصيبة ، فالتقارب بينهما من جهة العموم والخصوص ، وهكذا قوله تعالى :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] فإن الرحمة ليست ضدّا للشدة ، وإنما ضد الشدة اللين ، خلا أنه لما كانت الرحمة من مسببات اللين ، حسنت المطابقة بينهما ، وكانت المقابلة لائقة ومن هذا ما قاله بعض الشعراء :
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة * ومن إساءة أهل السوء إحسانا
فقابل الظلم بالمغفرة ، وليس ضدا لها ، وإنما ضده العدل ، إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل من جهة أن العدل إنصاف الغير بما يجب له أو يستحق عليه أو ترك ما لا يستحق عليه ، والعفو هو المغفرة وهو الصفح والتجاوز ، وهو أعظم أنواع العدل وأعلاها حسنت المطابقة أيضا .

الوجه الثاني ما لا يكون بينهما مقاربة وبينهما بعد ، لا يتقاربان ، ولا مناسبة بينهما ،

ومثاله ما قاله أبو الطيب المتنبي « 1 » :
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها * سرور محبّ أو إساءة مجرم
فالمقابلة الصحيحة أن تكون بين محب ومبغض ، لا بين محب ومجرم ، فإن بين المحب والمجرم تباعدا كبيرا ، فإنه ليس كل من أجرم إليك فهو مبغض لك ، ومما يجرى هذا المجرى ما قاله بعض الشعراء :
فكم من كريم قد مناه إلهه * بمذمومة الأخلاق واسعة الهن
فقوله : بمذمومة الأخلاق واسعة الهن ، من باب المقابلة البعيدة التي لا مناسبة فيها وكان الأخلق « بضيّقة الأخلاق واسعة الهن » .

الضرب الرابع المقابلة للشيء بما يماثله

وذلك يكون على وجهين :

الوجه الأول منهما مقابلة المفرد بالمفرد ،

وهذا كقوله تعالى :
هامش
( 1 ) البيت للمتنبى في ديوانه 2 / 224 ، وشرح التبيان للعكبرى 2 / 410 .