تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧

الفن الثاني من علوم هذا الكتاب وهو فن المقاصد اللائقة

اعلم أن المقصود من الكلام إنما هو إفادة المعاني ، وهذه الإفادة على وجهين ، لفظية ، ومعنوية ، فأما الإفادة اللفظية فهي دلالة المطابقة ، وما هذا حاله فإنه يستحيل تطرق الزيادة والنقصان إليها ، وبيانه هو أن السامع لشيء من الألفاظ الوضيعة لا يخلو حاله إما أن يكون عالما بكونه موضوعا لمسماه ، أو لا يكون عالما ، فإن لم يكن عالما به فإنه لا يعرف فيه شيئا أصلا ، وإن كان عالما به فإنه يعرف بتمامه وكماله ، فخيل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أن الألفاظ في دلالتها الوضعية إما أن تكون مفيدة إفادة ناقصة ، وإما أن لا تكون مفيدة أصلا ، وهذان القسمان باطلان بما مر ، فإذا بطلا تعين القسم الثالث ، وهو أن إفادتهما لمسماها على الكمال والتمام هو مطلوبنا ، وتقرير ذلك بما نذكره من المثال ، وهو أنك إذا أردت تشبيه زيد بالأسد في الشجاعة ، فإنك إذا قصدت إفادة هذا المعنى بالدلالة الوضعية فإنك تقول زيد يشبه الأسد في شجاعته ، فقد أفدت مقصودك من ذلك بألفاظ دالة عليه دلالة وضعية ، وهذه الإفادة يستحيل تطرق الزيادة والنقصان إليها ، لأنك إن نقصت منها تطرق الخرم على قدر ما نقص منها ، وإن زدت على هذه الألفاظ كان ذلك مستغنى عنه ولا فائدة فيه ، وإن أقمت كل لفظة مقام ما يرادفها امتنع تطرق الزيادة والنقصان في المعنى من أجل ذلك ، وعن هذا قال المحققون من أهل هذه الصناعة إن الإيجاز ، والاختصار ، والتطويل ، والإطناب ، والحذف ، والإضمار ، والوحدة ، والتكرار ، وغير ذلك من أودية البلاغة يستحيل تطرقها إلى الدلالات الوضعية ، لما كانت تدل بجهة المطابقة . وأما الإفادة المعنوية فهي تكون من جهة اللوازم ، ثم تلك اللوازم كثيرة فتارة تكون قريبة ، وتارة تكون بعيدة ، فلأجل هذا صح تأدية المعنى بطرق كثيرة وجاز في تلك الطرق أن يكون بعضها أكمل من بعض ، فلا جرم جاز تطرق الزيادة والنقصان والكمال إليها ، ثم قد يكون حصول ذلك من جهة الدلائل الإفرادية وهو ما يتعلق بالبلاغة من جهة المفردات ، وقد يكون حصوله من جهة الدلائل المركبة ، وهو ما يتعلق بالبلاغة من جهة الكلم المركبة ، وتقدير ذلك بما نذكره من المثال ، وهو أنك إذا قصدت وصف زيد بالشجاعة من جهة اللوازم بحيث يجوز تطرق الزيادة والنقصان والكمال إليه ، فإن أردت