تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
فانظر إلى هذه المعاني البديعة ، وكفى بالمتنبى فضلا إتيانه بها ، وإنه لصاحب كل غريبة ومنتهى كل أطروبة في المعاني الشرعية ، ومن ذلك ما قاله في وصف حاله عند ورود الحمى عليه .
وزائرتى كأن بها حياء * فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا * فعافتها وباتت في عظامي
كأن الصبح يطردها فتجرى * مدامعها بأربعة سجام
أراقب وقتها من غير شوق * مراقبة المشوق المستهام
فانظر إلى ما قاله ، ما أشد موافقته لما حكى من حاله ، وهذا أكثر ما يجرى على ألسنة أهل البلاغة عند مشاهدة ما يشاهدونه من أحوال الحوادث وفيه كفاية لغرضنا .

المرتبة الثانية ما يوردونه من غير مشاهدة حال

فيجرى عليها ولكن يقتضبونه اقتضابا ويخترعونه اختراعا ، فمن ذلك قول علي بن جبلة يمدح رجلا بالكرم والجود :
تكفل ساكنى الدنيا حميد * فقد أضحت له الدنيا عيالا
كأن أباه آدم كان أوصى * إليه أن يعولهم فعالا
قال ابن الأثير وقد حام الشعراء حول هذا المعنى ، وفاز علي بن جبلة بالإفصاح به ، ومن ذلك قول أبى تمام :
يا أيها الملك النائي برؤيته * وجوده لمراعى جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا * إن السماء ترجى حين تحتجب
ومن ذلك قوله :
رأينا الجود فيك وما عرضنا * لسجل منه بعد ولا ذنوب
ولكن دارة القمر استتمت * فدلتنا على مطر قريب
ومن بليغ كلامه قوله :
وإذا أرد الله نشر فضيلة * طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت * ما كان يعرف طيب عرف العود
ومن ذلك قوله في مديحه :
لا تنكروا ضربي له من دونه * مثلا شرودا في الندى والباس