وكما قال بعض الأذكياء :
والصبح يتلو المشترى وكأنه * عريان يمشى خلفه بسراج
ومن ذلك قول بشار :
كأن الناس حين تغيب عنهم * نبات الأرض أخطأه القطار
ومن بديع التشبيه قول امرئ القيس :
وكشح لطيف كالجديل مخصر * وساق كأنبوب السقي المذلل
وتعطو برخص غير شثن كأنه * أساريع ظبي أو مساويك إسحل
مهفهفة بيضاء غير مفاضة * ترائبها مصقولة كالسجنجل
فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الأبيات من بديع التشبيه وغريبه ، ومن هذا قول بعضهم في تشبيه الفحم والجمر :
كأنما النار في تلهبها * والفحم من فوقها يغطيها
زنجية قبضت أناملها * من فوق نارنجة لتخفيها
ومن جيد التشبيه ورائقه ما قاله بعض الأدباء وهو البحتري :
دنوت تواضعا وعلوت قدرا * فشاناك انخفاض وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامى * ويدنو الضوء منها والشعاع
ولنكتف بهذا القدر في المفردات .
الضرب الثاني في تشبيه المركب بالمركب ،
وما هذا حاله يرد على أوجه أربعة : أولها تشبيه شيئين بشيئين كقوله تعالى :
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
[ إبراهيم : 26 ] فقد مثل الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة ، وقد قررنا من قبل أنا نريد بالتشبيه المركب ذلك ونحو قوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : 5 ] وقوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً
[ البقرة : 171 ] فمثّل الكفار في إعراضهم عن الحق والهدى وعدم الإصغاء إلى ما جاء به الرسول برجل يتكلم بما لا يفهم منزلة نعيق البهائم ومن هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثل الرجل الذي لا يتم صلاته كمثل الحامل حملت حتى إذا دنا نفاسها أملصت فلا ذات حمل ولا