تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١

الضرب الثالث في تشبيه المفرد بالمركب

ولنضرب له مثالين يدلان عليه

المثال الأول في المظهر الأداة

وهذا كقوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
[ النور : 35 ] فهذه الأمور المعدودة كلها أشباه لنور الله ، إما على أن المراد به ذات الله تعالى ، أو يراد به الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وكقوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
[ إبراهيم : 18 ] وكقول أبى تمام يمدح قصيدة له :
خذها مثقفة القوافي ربها * بسوابغ النعماء غير كنود كالدر والمرجان ألف نظمها * كالشذر في عنق الفتاة الرود
وكما قال البحتري في وصف السيف :
وكأنما سود النمال وحمرها * دبت بأيد في قراه وأرجل
فشبه فرند السيف بدبيب النمل ، حمرها وسودها ، وهذا مما يشهد له فيه بالإجادة والإنافة في البلاغة والزيادة .

المثال الثاني في مضمر الأداة

وهذا كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « العزل هو الوأد الخفي » « 1 » وهذا من التشبيه الذي فاق في رشاقته ، وراق في جودة نظمه وبلاغته ، والوأد هو ما كانت العرب تفعله من دفن البنات وهن أحياء ، خوفا من العار بركوب الفاحشة ، فجعل العزل كالوأد ، وعبر عنه بهذه العبارة التي تغض لها العيون طرفها ، ولا ينتهى الوصف إليها ، فيكون ترك وصفها كوصفها ، ومن هذا قول أمير المؤمنين في وصف العترة ، عليهم السلام « فردوهم ورد الهيم العطاش » فهذا من الكلام لا يدرك في البلاغة منتهاه ، ولا يحرز بغاية غوره وأدناه . ومن غريب ما وجدته في هذا الضرب كلام لابن الأثير في وصف القلم « جدع أنفه فصار في اليد قصيرا » يشير بذلك إلى ما كان من حديث قصير ، مع الزّبّاء وفتكه بها ، وكيده العظيم لها « وأرهف
هامش
( 1 ) الحديث صحيح رواه مسلم ، وانظر تخريجه وشرحه في شرح الطيبي لمشكاة المصابيح بتحقيقنا ح / 3189 ط نزار الباز - مكة المكرمة .