التنبيه الخامس في اكتساب وجه التشبيه
اعلم أن كل من أراد تشبيه شيء بغيره فلا بد من أن يجمع بينهما بوصف ما كما قررناه من قبل ، فعليه أن يسعى في طلب الوجه الجامع بينهما ، فمن طلب أن يمثل حركة أو هيئة بغيرهما ، فعليه أن يطلب أمرا يتفقان فيه ، كما فعل ذلك ابن المعتز في قوله :
وكأن البرق مصحف قار * فانطباقا مرة وانفتاحا
فلم ينظر إلى جميع أوصاف البرق كلها ومعانيه ، ولكنه أراد تشبيه هيئة البرق وحركة لمعانه بالمصحف ، يفتحه القارئ مرة ويطبقه أخرى ، فيكون جامعا بين الأمرين المختلفين ما ذكرنا من الجامع .
دقيقة
ومما يكون مناسبا لما أوردناه في كونه جامعا بين المختلفات هو أن يجعل الشئ سببا لضده كما يقال أحسن إلى من حيث قصد الإساءة ، ونفعني من حيث أراد الإضرار ، كانت نجاتي من حيث قصد إهلاكى ، ومن هذا قول بعض الشعراء :
أعتقنى سوء ما صنعت من الر * ق فيا بردها على كبدي
فصرت حرا بالسوء منك وما * أحسن سوء قبلي إلى أحد
وما ذاك إلا من أجل تخيل الجامع في الأمور المختلفة المتضادة . كما قررناه . فهذا ما أردنا ذكر التنبيهات في صدر هذه القاعدة لتكون توطئة وتمهيدا لما نريد ذكره من أسرار التشبيه وحقائقه ،
فإذا تمهد ذلك فلنذكر أقسام التشبيه ، ثم نردفه بذكر الأمثلة ، ثم نذكر كيفية التشبيه ، ثم نذكر أحكامه
. فهذه مطالب أربعة نفصلها بمعونة الله تعالى .
المطلب الأول في بيان أقسام التشبيه
اعلم أن التشبيه له طرق كثيرة ، وتنقسم إلى أنحاء منتشرة باعتبارات مختلفة ، ولكنا نقتصر من ذلك على تقسيمات أربعة هي وافية بالمطلوب ومندرج تحتها شعب كثيرة .