( 90 ) أخبار العتاهية بن أبي العتاهية
حدّثني عليّ بن إسحاق عن الفضل بن المبارك قال :
كان العتاهية بن أبي العتاهية شاعرا مطبوعا قادرا على الكلام ، وكان أبوه خبيث الدين يذهب مذهب الثّنويّة « 1 » ، إلّا أنه كان ناسك الظاهر ، وكان العتاهية صحيح الدين ورعا ، وولّي القضاء برهة ، وكان محمود السيرة حسن الصّفة ، وكان جمع مع الشعر الفقه .
وممّا يستحسن له :
أراعك شيب في السواد يلوح * يبثّ بأسباب البلا ويبوح « 2 »
وما شبت إلّا للخطوب ومرّها * لعمرك تغدو مرّة وتروح « 3 »
تمرّ خطوب مفصحات بنطقها * فتزور أحيانا وهنّ جنوح
وكم جسد يهتزّ بالخفض ناعما * سيصبح مفقودا ويذهب روح « 4 »
تغيّرت عن عهد الشباب وطيبه * وكان ، وطيب العيش منه يفوح
إذا شئت فاستدع المشيب خضابه * فرأسك يبكي للبلا وينوح « 5 »
وله أيضا :
قد سلم الساكت الصّموت * كلام واعي الكلام قوت
ما كلّ لفظ له جواب * جواب ما يحذر السّكوت
هامش
( 1 ) الثنويّة : مذهب المانوية القائل بوجود إلهين ومبدأين للوجود متضادين هما النور أو الخير والظلمة أو الشرّ .
( 2 ) راعك : أفزعك والهمزة في أراعك للاستفهام - البلا : مخفّف البلاء .
( 3 ) الخطوب : النّوائب ومصائب الدهر - تغدو وتروح : أي تمرّ بنا في الصباح أو المساء .
( 4 ) الخفض : طيب العيش .
( 5 ) استدع : وفي رواية استرع واسترعاه طلب حفظه .