وقالت لي صاحبتي : هذه التي ذكرت لك ، وقالت للجارية : إني قد ذكرتك لهذا الفتى ، وهو على ما ترين من الهيئة والجمال والنظافة والظّرف .
قالت : حيّاه اللّه وقرّبه ، قالت : وقد بذل لك من الصداق دينارين ، فقالت : يا أماه ، أخبرته بشرطي ؟ قالت : إني واللّه نسيت ، فنظرت إليّ وقالت : إنها واللّه أشجع من عمرو بن معدىكرب ، وأكثر زهوا من ربيعة بن مكدّم ، ولست تصل إليها حتى تسكر ، فإذا سكرت ففيها « مطمع » فقلت : هذا هين . فإذا شيخان قد أقبلا ، فخطب أحدهما وأجاب الآخر ، فزوّجاني ثم انصرفا ، وأتينا بطعام فأكلنا ، ثم أحضرت شرابا فشربت وسقتني . فلما دبّ فينا الشراب غنّت بهذا الصوت :
راحوا يصيدون الظباء وإنني * لأرى تصيّدها عليّ حراما
أشبهن منك سوالفا ومدامعا * فأرى لهن بذا عليّ ذماما « 1 »
وهي توقّع بقضيب على دواة . فو اللّه إني لأنتاب القيان منذ ثلاثين سنة إن كنت سمعت قطّ أحسن من صوتها ، ولا غناء أحسن من غنائها ، فكدت أطير طربا ، وقلت : يا سيدة النساء ما سمعت بهذا الصوت قط ، ولا عرفت هذا الشعر ، قالت : بلى ولكن قام لمعبد فيه صوتان « 2 » قلت : جعلت فداك ، وليس إلا ما قلت ؟
قالت : بلى ولكن ليس هذا وقته .
فلما أمسينا قامت فصلّت ، وقمت فصلّيت . واللّه ما أدري كم صليت ، حرصا وطمعا ، وعدنا إلى شرابنا فشربت وناولتني ، فلما مضت ساعة من الليل قلت لها :
جعلت فداك أتأذنين لي في الدنوّ منك ؟ قالت : قم أوّلا فتجرّد وامش مقبلا ومدبرا حتى أراك . فقمت وتجرّدت ومشيت وأنا منعظ ، ولا أدري ما يراد بي . ثم وقّعت بالقضيب على الدّواة وغنّت بأحسن صوت وأصنع غناء :
كأني بالمجرّد قد علته * نعال القوم والخشب السّواري
فلم أفطن للحين « 3 » الذي يراد بي ، وقلت : جعلت فداك ، أو ليس لهذا البيت ثان ؟ قالت : بلى ، وسوف تسمعه بعد ساعة ثم قالت : امش حتى أراك بين يديّ ، ومشيت ، فقالت : توسّط المجلس وأقرب منّي ففعلت ، وهناك خرق « 4 » إلى أسفل قد غطّى ببواري ولا أعلم . فلما وضعت رجلي عليه إذا أنا في سوق العطارين
هامش
( 1 ) الذمام : الحرمة .
( 2 ) صوتان : مثنى صوت أي اللحن في الغناء .
( 3 ) الحين : الهلاك .
( 4 ) الخرق : الفرجة ، الثقب .