الرجل ماجنا خليعا متهتكا ألوفا لحانات الخمارين فأترك نفعه لضره . فقلت : أصلح اللّه الوزير ، إنه مع ذلك بمكان من الأدب ، ولقد جالسته في مجالس كثيرة ، قد ضمّت ذوي فنون من الأدباء والعلماء ، فما تجاروا في شيء من فنونهم إلّا جاراهم فيه ، ثم برّز عليهم ، وهو من الشعر بالمحل الذي قد علمته ، أليس هو القائل :
ذكرتم من التّرحال يوما فغمّنا * فلو قد فعلتم صبّح الموت بعضنا « 1 »
زعمتم بأنّ البين يحزنكم نعم * سيحزنكم حزنا ولا مثل حزننا « 2 »
تعالوا نقارعكم ليحقق عندكم * من اشجى قلوبا أم من أسخن أعينا « 3 »
أطال قصير الليل يا رحم عندكم ؟ * فإن قصير الليل قد طال عندنا « 4 »
ومن يعرف الليل الطويل وهمّه * من النّاس إلّا من تنجّم أو أنا « 5 »
خليّون من أوجاعنا يعذلوننا * يقولون : لو لم يعب بالحبّ لانثنى « 6 »
يقومون في الأقوام يحكون فعلنا * سفاهة أحلام وسخرية بنا
فلو شاء ربّي لابتلاهم بمثل ما أب * تلانا فكانوا لا علينا ولا لنا
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد * هواك لعلّ الفضل يجمع بيننا « 7 »
أمير رأيت المال في حجراته * مهينا ذليل النفس بالضيم موقنا « 8 »
إذا ضنّ ربّ المال ثوّب جوده * بحيّ على مال الأمير وأذّنا
وللفضل أجرا مقدما من ضبارم * إذا لبس الدّرع الحصينة واكتنى « 9 »
إليك أبا العبّاس من دون من مشى * عليها امتطينا الحضرميّ الملسّنا « 10 »
هامش
( 1 ) غمّنا : أحزننا - شخصتم : رحلتم .
( 2 ) البين : الفراق .
( 3 ) نقارع : نجادل - أشجى قلوبا : أحزنها - وفي رواية : أمضّ أي أوجع .
( 4 ) رحم : ترخيم رحمة وهي صاحبته على الأرجح .
( 5 ) تنجم : راقب النجوم ورعاها .
( 6 ) الخليّ : البريء - يعذلوننا : يلوموننا .
( 7 ) الفضل بن يحيى . . . : وزير هارون الرشيد .
( 8 ) الحجرات ( بفتح الحاء ) : النواحي ، جمع حجرة - والحجرات ( بضم الحاء ) : جمع حجرة وهي الغرفة .
( 9 ) الضبارم : الأسد .
( 10 ) الحضرميّ الملسن : النّعل ، أو المطايا الطويلة .