وللّه في كلّ تحريكة * وتسكينة أبدا شاهد
وفي كلّ شيء له آية * تدلّ على أنه واحد
فلما كان من الغد جاء أبو نواس ، فجلس فتحدث ساعة ، ووقعت عينه على ذلك الدفتر ، وقرأ الأبيات . فقال : من صاحبها ؟ لوددت أنّها لي بجميع شعري . فقلنا : أبو العتاهية ، فكتب تحتها :
سبحان من خلق الخل * ق من ضعيف مهين
فساقه من قرار * إلى قرار مكين
يحول خلقا فخلقا * في الحجب دون العيون
فلما كان من الغد جاء أبو العتاهية وقال : لمن هذه الأبيات ؟ لوددت أنّها لي بجميع شعري ، فقلنا : أبو نواس . وتعجبنا من اتفاق قوليهما .
وحدّثني أبو النجم قال :
بلغني أن أبا نواس وهو في الكتّاب - وكان مليحا صبيحا - مرّت به صبيّة وضيّة الوجه ، فمازحته ساعة ، ثم رمت إليه بتفاحة معضّضة وانصرفت فقال :
شجر التفاح لا خفت القحل * لا ولا زلت لغايات المثل « 1 »
تقبل الطّيب إذا علّت به * وبها من غير طيب محتمل « 2 »
وعدتني قبلة من سيّدي * فتقاضت سيدي حين فعل
ليس ذاك العضّ من عيب لها * إنما ذاك سؤال للقبل
ويقال : إن الذي رغّب فيه والبة بن الحباب حتى أخذه غلاما فأدّبه به وخرّجه هذه الأبيات .
وقيل أيضا : إن الذي بعث أبا نواس على صحبة والبة وأرغبه فيه بيتا والبة وهما هذان :
ولها ولا ذنب لها * حبّ كأطراف الرماح
هامش
( 1 ) وفي رواية : سحر التفاح لا حقب القحل ، وفي رواية مختصر الطبقات : شجر التفاح لا حفت القحل ، والصواب ما أثبت .
( 2 ) علّت به : من علّ يعلّ علّا : شرب ثانيا أو تباعا - وفي رواية المختصر : وبها من عزّ طيب محتمل ، في موضع وبها في غير طيب محتمل .