فلما مرض مرضه الذي توفى فيه دخلت عليه أعوده ، قال : ليست هذه الأبيات لمن ذكرتها وإنما هي لي ، وأنا قائلها . وأنا أستغفر اللّه . وكان قد نسك وترك قول الشعر برهة .
وزعم غيره أنه عاد إلى قول الشعر ولم يتركه حتى مات .
وقال دعبل : قال لي خلف الأحمر ، وقد تجارينا في شعر تأبّط شرّا وذكرنا قوله :
إن بالشّعب الذي دون سلع * لقتيلا دمه ما يطلّ « 1 »
أنا واللّه قلتها ، ولم يقلها تأبّط شرّا .
وحدّثني ابن ثمامة عن إبراهيم بن إسحاق قال : قال أبو الحسن المدائني :
لما احتضر خلف الأحمر قيل له : قال : لا إله إلّا اللّه . فسكت . فأعيد عليه فسكت . فأعيد عليه ثالثا ، فقال :
جفّ بمقدار ما جرى قلمه
وما زال يرددها حتى مات .
حدّثني أحمد بن نصر قال : حدّثني الرّياشي قال : قال لي الأصمعي :
كان خلف الأحمر مولى أبي بردة بن أبي موسى ، أعتقه وأعتق أبويه . وكان من سبي فرغانة . وفيه يقول أبو نواس :
أودى جماع العلم مذ أودى خلف * من لا يعدّ العلم إلّا ما عرف « 2 »
كنّا متى ما ندن منه نغترف * رواية لا تجتنى من الصحف
قليذم من العياليم الخسف « 3 »
ومما سار له قوله :
سقى حجّاجنا نوء الثّريّا * على ما كان من منع وبخل
هامش
( 1 ) الشّعب ( بكسر الشين ) : الطريق في الجبل - سلع : السّلع والسّلع لغة ، والجمع سلوع الشقّ في الجبل - وسلع جبل بسوق المدينة ، وسلع أيضا حصن بوادي موسى ( معجم البلدان لياقوت الحموي 3 / 268 ) - يطلّ من طلّ الدم : أهدره ، وأطلّ الدم : أهدر .
( 2 ) أودى : هلك .
( 3 ) القليذم : البئر إذا كانت كثيرة الماء - العياليم : الآبار أو البحار - الخسف : الآبار ذات المياه الدائمة ، التي لا تنقطع .