ليالي رأسي غراب غداف * فطيّره الشّيب عنّي فطارا
ولا يبعد اللّه ذاك الشباب * وإن كان لا هو إلّا ادّكارا
فأصبح مونعه ممحلا * جديبا خرابا يبابا قفارا « 1 »
وإمّا مشايخ قد أفحشت * فلا أنا أستطيع منها اعتذارا
أجارتنا إن ريب الزما * ن قبلي أفنى الرجال الخيارا
وهازئة إذ رأت كبرة * تلفّع رأسي بها فاستنارا
فإمّا ترى لمّتي هكذا * فأكثرت مما ترين النّفارا
فقد أغتدى وهي همّ الحسان * وقد أسلب العطرات الخمارا « 2 »
وقد كنت أسحب ذيل الصّبا * وأرخي على العقبين الإزارا « 3 »
ورقراقة لا تطيق القيا * م إلّا رويدا وإلا ابتهارا « 4 »
خلوت بها نتجارى الحدي * ث شيئا علانا وشيئا سرارا
كأنّ على الشمس منها الخمار « 5 » * إذا هي لاثت عليها الخمارا
وكان أبو حيّة تزوج ابنة عم له . فتوفيت عنه . وكاد يخرج عليها من الدنيا .
وأشعاره الجياد كلها فيها وفي وصفها في حياتها ، ومراثيها بعد مماتها ، وما رأيت ذكيّا ولا عاقلا ولا كاتبا ظريفا إلّا وهو يتمثل من شعر أبي حيّة النميري بشيء .
فمن ذلك قوله :
فلمّا أبت إلّا اطّراقا بودّها * وتكديرها الشّرب الذي كان صافيا
شربت برنق من هواها مكدّر * وكيف يعاف الرنق من كان صاديا « 6 »
وله أيضا :
استبق دمعك لا يود البكاء به * واكفف بوادر من عينيك تستبق
هامش
( 1 ) المونع : من ينع يينع ينوعا الثمر : أدرك وطاب وحان قطافه - الممحل : الذي أصابه المحل أي الجدب من أمحل المكان إذا أجدب فهو ممحل - اليباب : الخراب - القفار : جمع قفر وهو الأرض الخلاء لا ماء فيها ولا ناس ولا كلأ .
( 2 ) الخمار : ما تغطّي به المرأة رأسها .
( 3 ) العقبان : مثنى العقب وهو مؤخر القدم .
( 4 ) رويدا : أي برفق وتؤدة - الابتهار : مصدر ابتهر أي بالغ في الشيء ولم يدع جهدا .
( 5 ) لاثت عليها الخمار : لفّته أو عصبته .
( 6 ) الرّنق : الماء الكدر من رنق يرنق رنقا ورنوقا الماء أي كدر - صاديا : عطشا .