في لجّتها ، إن أقمت وثبت على طغيانك ، وإن هربت أدركتك .
فما زال ذلك دأبه وهو يخاف أن يدخل ، وإذا به قد خرج عليه كلب يبصبص فقال له : الحمد للّه الذي مسخك كلبا ، وكفاني منك حربا . ثم قعد لا يدخل البيت فقيل له : مالك لا تدخل ؟ فقال : لعل اللصّ في البيت وهذا كلبه قد خرج .
ومما يستحسن لأبي حيّة النميري قوله :
ألا حيّ من بعد الحبيب المغانيا * لبسن البلى ممّا لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة * تقاضاه شيء لا يملّ التقاضيا
ويستحسن أيضا قوله :
تجود لك العينان من ذكر ما مضى * إذا ضنّ بالدمع العيون الغوارز « 1 »
ألوفان ينهلّان من غصص الهوى * كما انهلّ شقّ غيّبته الجوارز « 2 »
يهيّج لي نوح الحمام صبابة * ونوح مرنّات شجتها الجنائز
لتفريق ألّاف كأنّ عيونها * عيون المها جازت بهنّ الأماعز « 3 »
أولئك من بعد اجتماع من الهوى * تصدّع شعب بينهم فتمايزوا « 4 »
تركن بقلبي إذ نأين حزازة * أبت أن تجلّى إذ تجلّى الحزائز « 5 »
ومما يستحسن له قوله :
غراب ينادي يوم لا القلب عقله * صحيح ولا الشّعب الذي انصاع ملتقى
جزيت غراب البين شرّا لطالما * شجيت بتشحاج الغراب المطوّق « 6 »
ومن مختار قوله :
زمان الصّبا ليت أيّامنا * رجعن لنا الخاليات القصارا
هامش
( 1 ) العيون الغوارز : التي لا تدمع لأنها جوامد .
( 2 ) انهلّ : اشتد انصبابه - الغصص : جمع غصّة ، ما غصّ به الإنسان ، والغصّة الهم والحزن - الجوارز : جمع جارزة وهي الأرض الجرز أي التي لا تنبت ، أو التي أكل نباتها . وفي رواية :
الخوارز وهو تحريف .
( 3 ) جازت : أي قطعت وفي رواية : حازت - الأماعز : جمع الأمعز والمعزاء ، أي المكان الصلب الكثير الحجارة والحصى .
( 4 ) تصدّع : تفرّق .
( 5 ) نأين : ابتعدن - الخزازة : الغيظ أو الوجع في القلب .
( 6 ) تشحاج الغراب : صوته .