قد حفظ نصف الكتاب ، وبقي عليه نصفه - وقد مات الخليل - فطلبه في الدنيا كلّها فأعجزه « 1 » ذلك ، ولم تكن النسخة وقعت إلى أحد ، فاستدرك النصف من حفظه وجمع على النصف الباقي علماء أهل زمانه . فقالوا : ما تروم ؟ قال : مثلوا عليه ، فمثّلوا ، فلم يلحقوه ، ولا شقّوا غباره « 2 » . فأنت ترى ما في أيدي الناس من ذلك ، فإذا ما تأملته تراه نصفين ، النصف الأول أتقن وأحكم ، والنصف الآخر مقصّر عن ذلك .
ومما يستحسن للخليل بن أحمد من شعره قوله :
وما هي إلا ليلة ثم يومها * وحول إلى حول وشهر إلى شهر « 3 »
مطايا يقرّبن الجديد إلى البلى * ويدنين أشلاء الكريم إلى القبر « 4 »
ويتركن أزواج الغيور لغيره * ويقسمن ما يحوى الشحيح من الوفر
ومما سار له في الدنيا قوله :
أبلغا عنّي المنجّم أني * كافر بالذي قضته الكواكب « 5 »
عالم أنّ ما يكون وما كا * ن قضاء من المهيمن واجب « 6 »
ومن السائر الذي يروى له قوله :
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني * أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا « 7 »
لكن جهلت مقالتي فعذلتني * وعلمت أنّك جاهل فعذرتكا
ومما يختار له قوله لسليمان بن قبيصة بن يزيد بن المهلّب وقد كتب إليه يستزيره إلى السند وكان واليا عليها :
أبلغ سليمان أني عنه في سعة * وفي غنّى غير أني لست ذا مال
هامش
( 1 ) أعجزه ذلك : لم يقدر عليه .
( 2 ) لا شقّوا غباره : لم يلحقوا به .
( 3 ) الحول : السنة .
( 4 ) المطايا : جمع مطيّة ، الدابّة وكل ما يمتطى - البلى : الزوال ، الفناء - يدنين : يعرّين - الأشلاء :
الأعضاء المقطّعة .
( 5 ) كافر بالذي قضته الكواكب : ينفي إيمانه بالتنجيم .
( 6 ) المهيمن : ذو الهيمنة ، المسيطر ، والمراد هنا اللّه تعالى .
( 7 ) عذرتني : وجدت لي العذر - عذلتك : لمتك .