والملاحظ أنّ الصفدي ناقض نفسه في هذا التعريف ، في موضعين .
الأول : أنّه اعتبر المعنى المجازى لا يدخل اللفظ في مفهوم المشترك ، ومع ذلك يعلق على قول جرير « 1 » :
إذا نزل السّماء بأرض قوم * رعيناه ، وإن كانوا غضابا
فيقول : « السماء يستعمل للمطر والنبات ؛ فاستخدم أحد مفهوميه ، في قوله « نزل » يعنى المطر ، ومفهومه الآخر ، في قوله « رعيناه » يعنى : النبات ، وهذا وإن كان حقيقة في الأول مجازا في الثاني إلا أنّه كثر استعمال مجازه ، واشتهر ؛ فصار حقيقة عرفية ، فأمكن اعتبار الاشتراك فيه » « 2 » .
ويبدو أنّ الصفدي يأخذ - هنا - برأي الإمام الشافعي ، فقد جوّز استعمال اللفظ في حقيقته ، وفي حقيقته ومجازه ، وحمله عند الإطلاق عليهما ، وأخرج ابن الرفعة نصه على ذلك من الأم « 3 » .
الثاني : اعتبر الصلاة - هنا - ليست من المشترك ، وفرّق بين معناها الحقيقي ، والمجازى ، وفي موضع آخر من الفصل استدل بوقوع المشترك في القرآن الكريم بكلمة الصلاة ، في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
« 4 » ، فالصلاة من اللّه مغفرة ، ومن غيره استغفار ، فاستعمل لفظ الصلاة في معنيين متباينين ، وهو من المشترك .
وقد شغلت كلمة « الصلاة » العلماء ، وكثرت فيها أقوالهم وتناقضت ، قال النووي : « أصل الصلاة ، في اللغة : الدعاء ، هذا قول جمهور العلماء ، من أهل
هامش
( 1 ) أبو حزرة ، جرير بن عطية ، الخطفى ، الكلبي ، اليربوعي ( 28 - 110 ه ) من فحول شعراء الإسلام ، ولد ومات في اليمامة ، كان أبوه شاعرا ومن أبنائه وحفدته شعراء ، انظر : التمييز والفصل 2 / 803 ، شرح العيني 1 / 91 ، وشرح أبيات المغنى 1 / 53 ، ومواسم الأدب 1 / 98 ، وأعلام تميم 167 ، والأعلام 2 / 119 ، ومعجم المؤلفين 3 / 129 .
( 2 ) فض الختام 180 ، وانظر معاهد التنصيص 2 / 262 .
( 3 ) انظر : الإبهاج في شرح المنهاج 1 / 257 .
( 4 ) سورة الأحزاب 33 : 56 .