[ كظم وخوف ]
وقال آخر :
وكنت إذا الصديق نبا بأمري * وأشرقني على حنق بريقي
غفرت ذنوبه وكظمت غيظي * مخافة أن أعيش بلا صديق
هؤلاء إنما أوجبوا الإغضاء والاحتمال والصبر والكظم مع سلامة الإخاء ، وإنما وقفوا بالصّفح والعفو على ما لا يخلو الإنسان يأنس به من مثله ، ألا ترى النابغة يقول : أيّ الرجال المهذّب ؟ والآخر يقول : مخافة أن أعيش بلا صديق ، والآخر يقول : ومن قلّة الإنصاف أن تطلب الأخ المهذّب في الدنيا ولست مهذّبا ، نقول كما قالوا ، ونغفر كما غفروا لو وجدنا من يسلم لنا جملة إخائه ، وإنما نشكو فقد عمود الإخاء الذي حصوله يغفر ما دونه ، وحيث بلغنا من هذه الشكوى ، وهذا الذّم ، فلسنا نجحد النعمة في بقيّة جميلة في هذا الزمان من أحرار الإخوان قد قدمك اللّه فيهم فضلا وبرّا ، وهمّة عليّة ، وأخلاقا رضيّة ، ومع ذلك فإنّ على العاقل في شريطة الإخاء إذا وجد موضع الدين والوفاء أن يقتصد / في المؤاخاة ، ويقتصر من العدّة على من تفي طاقته بما يجب لهم ، فإن حقوقهم إذا زادت على وسعه « 1 » لحقته الإضاعة لبعضها ، وجنت الإضاعة عليه العداوة ممن أضاع حقّه ، ولذلك قيل : كثرة الأعداء من كثرة الأصدقاء ،
[ اتّساع الإخاء ]
وانتظم في هذا المعنى :
إذا اتّسع الإخاء عرت حقوق * مراعيها مقيم في مضيق « 2 »
فإن خصّت رعايته فريقا « 3 » * أخلّ بما عليه في فريق
وإن رام القيام لهم جميعا * بشرط الودّ لم يك بالمطيق
هامش
( 1 ) الوسع ( بتثليث الواو ) : الجدة والطاقة ، وفي القرآن الكريم :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.
( 2 ) المضيق : ما ضاق من الأماكن والأمور والجمع مضايق .
( 3 ) خصّ الشيء خصوصا : ضدّ عمّ ، وخصّ فلان لنفسه شيئا : اختاره .