خليقا ، لأنني لم أكن بأشباهه معروفا ، ولم تكن على استماع مثله مخوفا ، فوجد له فيك مساغا ، وعندك مستقرا / ، وكنت أحسب منازل إخوانك عندك ، والثقة لهم منك في حصن حصين ، ومحل مكين ، لا تناله أكاذيب الكاذبين ، ولا أقاويل المفترين ، وذلك أنّ الكاذب كان بالتهمة عليّ في منزلتي وحرمتي أحق مني بالتّهمة على رأيي وخلقي ، وأنا كنت عندك بالثّقة في وفائي أحقّ منه بالتصديق في عضيهته « 1 » إياي ، فإن الأخ المخبور أولى بالثّقة من الساعي بالكذب والزور ، وإذا كان تحافظ الإخوان إنما هو معلّق بأيدي السّفهاء إذا شاءوا سعوا ، فقبل قولهم ، فكيف تبقى على ذلك أخوّة ، أو ترعى معه حرمة ، أو يصلح عليه قلب ، أو يسلم معه صبر ؟ .
[ لقاء الأخ ]
سهل بن هارون :
وما العيش إلّا أن تجود بنائل * وإلّا لقاء الأخ بالخلق العالي
[ شوق شديد ]
وكتب محمد بن عبد الملك الزّيّات إلى الحسن بن وهب :
لعمرك ما عيشة رغدة * لديّ إذا غبت بالراضيه
وإني إلى وجهك المستنير * في ظلمة الليلة الداجيه
لأشوق ، من مدنف خائف * لقاء الحمام ، إلى العافية
[ بين المداجاة والمصافاة ]
قيل لأبي زياد الكلابي « 2 » : إنك فيما نراك تداجي إخوانك كثيرا ، وهذا خلق أنت عالق به قال : لأن أداجيهم مستديما لما بيني وبينهم أحبّ إليّ من أن أدع المداجاة التي أملكها ولا أملك المصافاة التي قد فقدتها .
هامش
( 1 ) عضه الرجل عضها وعضها وعضيهة : كذب ونمّ وجاء بالإفك والبهتان .
( 2 ) هو يزيد بن عبد اللّه بن الحر ، أعرابي بدوي ، قال دعبل : قدم بغداد أيام المهدي حين أصابت الناس المجاعة ونزل قطيعة العباس بن محمد فأقام بها أربعين سنة وبها مات ، وكان شاعرا من بني عامر بن كلاب ، وله من الكتب : كتاب النوادر ، كتاب الفرق ، كتاب الإبل ، كتاب خلق الإنسان . ( الفهرست : 67 ) .