وكان ما يجمعهما من أخوّة الأدب مثل ما ينظمهما من أخوّة النسب ، وهما في الموافقة والمساعدة يجيئان بروح واحدة ، ويشتركان في قول الشاعر وينفردان ، ولا يكادان في السفر والحضر يفترقان ، وكانا في التساوي ، كما قال أبو تمام : [ المتقارب ]
رضيعي لبان شريكي عنان * عتيقي رهان حليفي صفاء
بل ، كما قال البحتري : [ الكامل ]
كالفرقدين إذا تأمّل ناظر * لم يعل موضع فرقد عن فرقد
بل كما قال الصابي : [ الطويل ]
أرى الشاعرين الخالديّين نشرا * قصائد يفني الدهر وهي تخلد
جواهر من أبكار لفظ وعونه * يقصّر عنها راجز ومقصّد
تنازع قوم فيهما وتناقضوا * ومرّ جدال بينهم يتردّد
فطائفة قالت سعيد مقدّم * وطائفة قالت لهم بل محمد
وصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهم * وما قلت إلّا بالتي هي أرشد
هما لاجتماع الفضل زوج مؤلف * ومعناهما من حيث ألفت مفرد
كذا فرقدا الظلماء لمّا تشاكلا * علا أشكلا ذاك أم ذاك أمجد
فزوجهما ما مثله في اتفاقه * وفردهما بين الكواكب أسعد
فقاموا على صلح وقال جميعهم * رضينا وساوى فرقد الأرض فرقد
وأفاضل الشأم والعراق ، بعضهم يفضل السريّ عليهما ، وبعضهم يفضلهما .
فهذا كله فصل في السرقات مستظرف ، احتوى على فوائد من علم الأدب ، وهي عشرون وجها والعشرون وجها في السرقة جلبتها من كتاب الوكيعي على اختصار .
* * * فقال : والذي جعل الشّعر ديوان العرب ، وترجمان الأدب ، ما أحدث سوى أن بتر شمل شرحه ، وأغار على ثلثي سرحه . فقال له : أنشدنا أبياتك برمّتها ؛ ليتّضح ما اختاره من جملتها ؛ فأنشد : [ الكامل ]
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها * شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها * أبكت غدا بعدا لها من دار
وإذا أظلّ سحابها لم ينتفع * منه صدى لجهامه الغرّار
غاراتها ما تنقضي وأسيرها * لا يفتدى بجلالة الأخطار
كم مزده بغرورها حتّى بدا * متمرّدا متجاوز المقدار