قد كلّلتها شحوم من قليّتها * ومن سنام جزور عبطة سنمه
غيبت عنها فلم تعلم لها خبرا * لهفي عليك وعولي يا أبا علمه
ولو تكون لها حيا لما بعدت * يوما عليك ولو في جاحم حطمه
قد كنت أعلم أن الأكل يقتله * لكنني كنت أخشى ذاك من تخمه
إذا تعمم في شبليه ثم غدا * فإن حوزة من يأتيه مصطلمه
* * * وقلت لهم : أتقبلون نزيلا يطلب جنى الأسمار ، لا جنيّ الثّمار ، ويبغي ملح الحوار ، لا ملحاء الحوار ، فحلّوا لي الحبا ، وقالوا : مرحبا مرحبا ، فلم أجلس إلّا لمحة بارق خاطف ، أو نغبة طائر خائف ، حتّى غشينا جوّاب ، على عاتقه جراب ، فحيّانا بالكلمتين ، وحيّا المسجد بالتّسليمتين ، ثم قال : يا أولي الألباب ، والفضل اللّباب ، أما تعلمون أن أنفس القربات ، تنفيس الكربات ، وأمتن أسباب النّجاة ، مواساة ذوي الحاجات . وإنّي ومن أحلّني ساحتكم ، وأتاح لي استماحتكم ، لشريد محلّ قاص ، وبريد صبية خماص ، فهل في الجماعة ، من يفثأ عنّا حميّا المجاعة ؟
فقالوا له : يا هذا ، إنّك حضرت بعد العشاء ، ولم يبق إلا فضلات العشاء ، فإن كنت بها قنوعا ، فما تحد فينا منوعا ، فقال : إنّ أخا الشدائد ، ليقنع بلفاظات الموائد ، ونفاضات المزاود . فأمر كلّ منهم عبده ، أن يزوّده ما عنده .
* * * قوله : « نزيلا » أي ضيفا . الأسمار : المذاكرة بالليل . وجناها : ما يجنى من فوائدها . يبغي : يطلب . ملح الحوار : مليح الكلام ، والحوار : مراجعة القول . ملحاء الحوار : لحم سنام الفصيل . الحبا : جمع حبوه ، وكانت العرب ليس لها في البوادي حيطان تستند إليها في مجتمعهم ، فكان الرجل يقيم ركبتيه في جلوسه ، فيضع عليها أو يدير بهما ثوبا ، ويعقد عليهما يديه ، ويستريح إليها ، ويقوم ذلك له مقام الاستناد ، فيقال لذلك العقد : الحبوة ، فأراد أنّهم حلوا له الحبا إكراما له . لمحة بارق : لمعة برق .
خاطف : يخطف العين بسرعة فيمنعها النظر . نغبة : جرعة . غشينا : دخل علينا فجأة .
جوّاب : قطاع للأرض بمشيه . العاتق : ما بين المنكب والعنق . جراب : وعاء للخبز الكلمتين : سلام عليكم . التسليمتين : سلامه عند الدخول وسلامه من الركعتين . وتحية المسجد : أن يركع الداخل فيه ركعتين ، وقيل : التسليمتين تسليمة من صلاة المغرب وتسليمة من الركعتين اللّتين بعدها . الألباب : الأذهان اللّباب : الخالص . أنفس : أرفع .