تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
فلها بين ذا وذاك هناة * وصفها بالسرور لن يستطاعا
وأنشد ابن قتيبة لأبي محجن الثقفي : [ الطويل ]
إذ متّ فادفنّي إلى جنب كرمة * تروّي عظّامي بعد موتي عروقها ولا تدفننّي بالفلاة فإنني * أخاف إذا ما متّ ألّا أذوقها
قال : فأخبرني من رأى قبره بأرمينية ، أنه بين شجرات الكروم ، والفتيان يشربون عندها ، وينشدون شعره ، وإذا جاء قدحه صبّوه على قبره . ومنع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أهل الشام شرب الخمر . فقال شاعرهم : [ الطويل ]
ألم تر أنّ الدّهر يعثر بالفتى * ولا يملك الإنسان صرف المقادر صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي * وما أنا عن شرب المدام بصابر رماها أمير المؤمنين بحتفها * فخلّانها يبكون حول المعاصر
ورأى ذؤيب السّلمي خمرا أهراقها السلطان ، فقال : [ الخفيف ]
يا لقومي لما أتى السلطان * لا يكن للذي أهانوا هوان سكبوا في التّراب من حلب الكرو * م عقارا كأنّها الزعفران سكبت في مكان نحس لقد صا * دف سعد السّعود ذاك المكان كيف صبري عن بعض نفسي وهل يص * بر عن بعض نفسه إنسان !
ولمّا انهمك الوليد بن يزيد في الشّراب والتبذّل مع الندماء ، اجتمع وجوه بني أميّة ، فلاموه وعنّفوه ، فقال لهم اسمعوا ما عندي : [ الخفيف ]
أشهد اللّه والملائكة الأب * رار والعابدين أهل الصّلاح أنني أشتهي السماع وشرب الرّا * ح والعضّ في الخدود الملاح والنّديم الكريم والخادم ألفا * ره يسعى عليّ بالأقداح وظريف الحديث والكاعب الطّف * لة ترتجّ في سموط الوشاح
انصرفوا ، فيئسوا منه ، فدبّروا في إفساد دولته . ودخل على المأمون عمرو بن مسعدة ورجل من الفقهاء ، وبين يديه جام زجاج فيه رطل شراب ، فمدّ به يده المأمون إلى الرجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، واللّه ما شربتها ناشئا فلا تسقنيها شيخا ، فردّ يده إلى عمرو ، فأخذها منه ، وقال : اللّه اللّه يا أمير المؤمنين ، إني آليت في الكعبة ألّا أشربها ؛ ففكر طويلا والكأس في يد عمرو ، ثم قال : [ الكامل ]
ردّا عليّ الكأس إنّكما * لا تعلمان الكأس ما تجدي لو ذقتما ما ذقت ما مزجت * إلا بدمعكما من الوجد