صنتني عن معاشر لا أسمّي * أوّليهم إلّا غداة سبابي « 1 »
من جعاد الأكفّ غير جعاد * وغضاب الوجوه غير غضاب
خطروا خطرة الجهام وساروا * في نواحي الظنون سير السّحاب
وقال أيضا في نحوه : [ الوافر ]
وخلّفني الزمان على أناس * وجوههم وأيديهم حديد « 2 »
لهم حلل حسن بيض * وأخلاق قبحن فهنّ سود
أناس لو تأمّلهم لبيد * بكى الخلف الّذي يشكو لبيد
قوله « الدد » : ضد الجدّ ، وهو اللهو واللعب ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لست من دد ولا الدّد مني » « 3 » ، أي لست من باطل ولا الباطل مني أجدى : نفع . الحظ : البخت والنصيب . والصدى : العطشان ، وأراد أن حظّه في الدّنيا قليل ، فهو سعى له ليجلب رزقا يكثر به حظه . ننفذ : نتمّم . أنكد : مشئوم وكل ما جلب شرّا فهو أنكد ونكد .
والمرصد : الموضع الذي ترتقب فيه من تريد أخذه ، وقد رصدته رصدا ترقبته . يفاج :
يأت على غفلة ، وأصله فاجأ بالهمز ، فسهّله .
* * * فقال له القاضي : للّه درّك ، فما أعذب نفثات فيك ، وواها لك لولا خداع فيك ، وإنّي لك لمن المنذرين ، وعليك من الحذرين ، فلا تماكر بعدها الحاكمين ، واتّق سطوة المتحكّمين ، فما كلّ مسيطر يقيل ، ولا كلّ أوان يسمع القيل .
فعاهده الشّيخ على مشورته ، والارتداع عن تلبيس صورته ، وفصل عن جهته ، والختر يلمع من جبهته .
قال الحارث بن همّام : فلم أر أعجب منها في تصاريف الأسفار ، ولا قرأت مثلها في تصانيف الأسفار .
* * * قوله : « للّه درك » ، أي ما أحسن كلامك ، والدّرّ أصله اللبن ، وكأنه سمّي بحكاية صوته عند الحلب . وللّه ، أصله القسم ، ولا تدخل اللام في القسم إلّا على اسم اللّه تعالى ، والتعجّب معها لازم ، فإذا قال الذي يسمع صوت الحلب لصاحب الناقة : للّه
هامش
( 1 ) الأبيات في ديوان البحتري ص 86 .
( 2 ) ديوان البحتري ص 581 .
( 3 ) رواه الزمخشري في الفائق في غريب الحديث 1 / 364 ، بلفظ : « ما أنا من دد ولا الدّد « مني » وبنفس اللفظ رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث 2 / 108 .