تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
فقلت له : زدني إيضاحا ، عشت ونعشت ، فقال : أخبرتني أمّي برّة ، وهي كاسمها برّة ؛ أنّها نكحت عام الغارة بماوان ، رجلا من سراة سروج وغسّان ، فلمّا آنس منها الإثقال - وكان باقعة فيما يقال - ظعن عنها سرّا وهلمّ جرّا فما يعرف : أحيّ هو فيتوقّع ، أم أودع اللّحد البلقع . قال أبو زيد : فعلمت بصحّة العلامات أنّه ولدي ، وصدفني عن التّعرّف إليه صفر يدي ، ففصلت عنه بكبد مرضوضة ، ودموع مفضوضة . فهل سمعتم يا أولي الألباب ، بأعجب من هذا العجاب ! فقلنا : لا ومن عنده علم الكتاب ، فقال : أثبتوها في عجائب الاتّفاق ، وخلّدوها بطون الأوراق ، فما سير مثلها في الآفاق فأحضرنا الدّواة وأساودها ، ورقشنا الحكاية على ما سردها . * * * إيضاحا : بيانا . نعشت : جبرت . وبرّة الأول اسمها والثاني صفتها ، يريد أنها مكرّمة كثيرة البرّ . نكحت : تزوّجت . عام الغارة ، أي عام أغار عليهم عدوّهم . ماوان : بلدة . سراة : سادة . آنس : أبصر والإثقال : الامتلاء بالولد . باقعة : داهية ، ويقال : إنه الذي جال بقاع الأرض وعرف خيرها وشرها . قال ابن الأنباريّ رحمة اللّه : فلان باقعة ، أي داهية حذر محتال حاذق ، والباقعة عند العرب : الطائر الحذر المحتال الذي يشرب الماء من المباقع « 1 » ، ولا يرد المشارع والمياه المحصورة خوفا من أن يحتال عليه فيصطاد ، ثم شبّه به كل حذر محتال . هلم جرّا ، معناه إلى الآن ، قال ابن الأنباريّ : هلمّ جرّا ، سيروا على هينتكم ، أي تثبّتوا على سيركم ، ولا تجهدوا أنفسكم ولا تشقّوا عليها ، أخذ من الجرّ في السوق ، وهو أن تترك الغنم والبقر ترعى في السير ، وينتصب « جرّا » في قول الكوفيين على المصدر ، لأن في « هلمّ » معنى « جرّ » ، وفي قول البصريين : هو مصدر في موضع الحال تقديره « هلم جارّين » أي مستثبتين ، قياسا على : جاء عبد اللّه مشيا ، وأقبل ركضا ، وجاء وأقبل عند الكوفيين بمعنى مشى وركض وقال بعضهم : ينصب على التمييز . يتوقّع : ينتظر ، أودع : أدخل اللّحد البلقع : اللحد الخالي . صدفني : أمالني . التعرّف : أن يعرّفه أنه أبوه . صفر يدي : فراغها من الدراهم . فصلت : زلت مرضوضة : مدقوقة مكسورة . مفضوضة : مفترقة . أولي الألباب : أهل العقول . العجاب : مبالغة في العجب . خلدوها ، أي أثبتوها . الآفاق : البلدان وجهات الأرض جميعها . أساودها :
هامش
( 1 ) المباقع : أي الأمكنة التي يستقى منها .