ونحو هذا من أقوال المازحين قول أبي الشمقمق - ويروى عن وهب عابد قرطبة : [ الوافر ]
برزت من المنازل والقباب * فلم يعسر على أحد حجابي
فمنزلي الفضاء وسقف بيتي * سماء اللّه أو قطع السحاب
وإنّي لم أجد مصراع بيت * يكون من السّحاب إلى التراب
ولا أنشقّ الثرى عن عود نحت * أؤمّل أن أشدّ به ثيابي
ولا خفت الإباق على عبيدي * ولا خفت الهلاك على دوابي
وفي ذا راحة وفراغ بال * فدأب الدهر ذا أبدا ودابي
وقال آخر : [ الطويل ]
ولمّا التمست الرزق فانجذّ حبله * فلم يصف لي من بحره العذب مشرب
خطبت إلى الإعدام إحدى بناته * فزوّجنيها الفقر إذ جئت أخطب
فأولدتها الحرف الشّقيّ فماله * على الأرض غيري والد حين ينسب
فلو تهت في البيداء واللّيل مسبل * عليّ جناحيه لما لاح كوكب
ولو خفت شرّا فاستترت بظلّه * لأقبل ضوء الشمس من حيث تغرب
ولو جاد إنسان عليّ بدرهم * لرحت إلى رحلي وفي الكف عقرب
ولو يمطر الناس الدنانير لم يكن * بشيء سوى الحصباء رأسي يحصب
وإن يقترف ذنبا ببرقة مذنب * فإنّ برأسي ذلك الذنب يعصب
وإن أر خيرا في الأنام فنازح * وإن أر شرّا فهو منّى مقرّب
أمامي من الحرمان جيش عرمرم * ومنه ورائي جحفل حين أركب
وقال آخر : [ الخفيف ]
لو ركبت البحار صارت أجاجا * لا ترى في متونها أمواجا
ولو أنّي وضعت ياقوته حم * راء في راحتي لصارت زجاجا
ولو أنّي وردت عذبا فراتا * عاد لا شكّ فيه ملحا أجاجا
وقال آخر : [ الخفيف ]
لو وردت البحار أطلب ماء * جفّ قبل الورود ماء البحار
أو مسست العود النّضير بكفّي * لذوي بعد بهجة واخضرار
أو رمى باسمي النجوم الدّراري * لانزوى ضوأها عن الأبصار
ولو أني بعت القناديل يوما * أدغم اللّيل في ضياء النهار