جاء رجل إلى أبى عبيدة ، فقال : أريد أن أقرأ عليك شعر الحطيئة « 1 » ، فقال :
اقرأ ، فابتدأ فقال :
ظعن الّذين فراقهم أتوقّع « 2 » * وخرى ببينهم الغراب الأنفع « 3 »
[ 28 ب ] قال : فوجّه أبو عبيدة إلى يونس : قد وقع طير من البادية « 4 » ، فاحضر . فاجتمعا ، فقرأ الرّجل . فقال أبو عبيدة : ويحك ، إن عذرت في تصحيفك الأوّل ، لم تعذر في الثاني ؛ أما سمعت بغراب أبقع « 5 » ولا رأيته قطّ !
وقرأ رجل يوما على [ أبى ] عبد اللّه المفجّع « 6 » :
ولما نزلنا منزلا طلّه النّدى * أنيقا وبستانا من النّور خاليا
بالخاء المعجمة ، فحرّك المفجّع رأسه ، وقال : يا سيّد أمّه « 7 » ، فعلى أىّ شيء
هامش
( 1 ) - هو أبو مليكة جرول بن أوس العبسي ، كان من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم ، متفوقا في فنون الشعر ، وبخاصة الهجاء ، وكان سيئ الخلق والدين ، جشعا سئولا ، مولعا بالوقيعة بين الناس ، نهما إلى تمزيق أعراضهم ، فهابه الناس لذلك ، واشتروا أعراضهم ببذل ما في طاقتهم . واضطر الخليفة عمر أن يشترى منه أعراض المسلمين جميعا بثلاثة آلاف درهم . وبلغ من حبه للهجاء أنه هجا نفسه ، وهجا الزبرقان ابن بدر بقصيدة فيها البيت المشهور :دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسىفاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب ، وأنشده هذا البيت . فقال عمر : ما أسمع هجاء ، ولكنها معاتبة ، فقال الزبرقان : أما تبلغ مروءتى إلا أن آكل وألبس ؟ فقال عمر : على بحسان ، فلما جاء سأله ، فقال : لم يهجه بل فضحه . فأمر به عمر ، فألقى في بئر ، فاسترحمه ، فلم يلتفت إليه ، فأنشده القصيدة التي أولها :ما ذا تقول لأفراخ بذى مرخ * زغب الحواصل لا ماء ولا شجرفأخرجه ، وقال له : إياك وهجاء الناس ، قال : إذن يموت عيالي جوعا ، هذا مكسبى ، ومنه معاشى .
وله في المدائح شعر حسن بليغ ، وقد مات في أواخر خلافة عمر .
( 2 ) - في الأصل ما يفيد أن الكلمة تروى أيضا : يتوقع .
( 3 ) - في البيت تصحيفان : الأول في قوله : وخرى . وأصلها في الشعر : وجرى . والثاني : الأنفع ، وأصلها : الأبقع ، وهذا معنى قوله فيما سيجيء : إن عذرت في تصحيفك الأول ، لم تعذر في الثاني .
( 4 ) - في الأصل البابة ، ومعنى البابة : الخصلة ، كما نقله صاحب اللسان عن أبي العمثيل ، ومن معانيها الغاية ، كالباب في الحدود والحساب ، واسم ثغر وهي غير مناسبة هنا ، وقد يظن أنها محرفة عن « البادية » ، وقد سقطت الدال من الناسخ .
( 5 ) - يقال للغراب أبقع : إذا كان فيه بياض ، وهو أخبث ما يكون من الغربان ، فصار مثلا لكل خبيث .
( 6 ) - أبو عبد اللّه محمد بن عبيد اللّه المفجع الكاتب البصري ، لقى ثعلبا وأخذ عنه وعن غيره ، وكان شاعرا شيعيا ، وله قصيدة يسميها بالأشباح ، يمدح فيها عليا عليه السلام ، وبينه وبين أبى بكر بن دريد مهاجاة .
وله كتاب الترجمان في معاني الشعر وغيره ( الفهرست لابن النديم 123 ) .
( 7 ) - الإضافة في « سيد أمه » هنا : للذم والتحقير .