أباه أنطرطس لمّا بلغه أنّ ملوك اليونان قد انقرضوا ولم يبق غير امرأة تسمى قلوبطرة أرسل إليها يخطبها - وكان قد ملك طرفا من أطراف البلاد - يقول :
قصدي أن تصير المملكتان واحدة ، وأقرب منك لفضلك وعقلك ؛ فعلمت أنها مغلوبة ، فأجابته وقالت : تقيم في مكانك إلى يوم بعينه ، فأقام . وأفكرت في حيلة تحتال بها عليه ، فرأت أن تهلك نفسها ، وتهلكه فيها ، ولا يتمكّن منها ، فعمدت إلى حيّة تكون في الرمل ، تضرب الإنسان فيهلك في لحظة ؛ فجعلتها في إناء من زجاج ، وزيّنت قصرها ، وفرشت مجلسها بالرّياحين ؛ ولبست تاجها ، وجاست على سريرها ، واستدعت به ، فلمّا دخل باب القصر ، أخرجت الحية ، فضربتها فماتت ، وانسابت الحية في رياحين حولها ، ودخل أنطرطس إلى السّرير ؛ ولم يشكّ أنها في عافية ، فجلس إلى جانبها ، وعبث في الرّياحين ، فضربته الحيّة فمات . وكان ابنه معه في جيشه ، فسمع بموتهما ، فاستولى على بلاد الروم واليونان .
وهو الّذى بنى قيساريّة الروم - وقيل قيساريّة الشام - وأقام في الملك خمسين سنة .
ومن طريف « 1 » أخباره أنه كان إذا أراد أن يستشير أحدا من عقلاء دولته أرسل إليه نفقة سنة ؛ ليوفّر ذهنه على الرأي .
ومن بعده اختلفت الرّوم ، فتقاسموا البلدان والأطراف إلى ظهور الإسلام .
وقيصر هذا أعظم ملوكهم .
ومن كلامه : ما الحيلة في ما أعيا إلّا الكفّ عنه ، ولا الرأي في ما لا ينال إلّا اليأس منه .
هامش
( 1 ) ت : « ظريف » .