القطعية ، فكتب إليه دارا يتهدّده ويتوعده حيث أخر الإتاوة ، وبعث إليه بكرة وصولجان ، وخرقة فيها سمسم ، وقال : أنت صبىّ ، فالعب بهذه الكرة ، فإن أدّيت الإتاوة وإلّا بعثت إليك بجنود عدد هذا السّمسم ، وأتيت بك في وثاق .
فكتب إليه الإسكندر : أمّا بعد ، فقد تيمّنت بالكرة والصولجان ، فإنّ الدنيا مثل الكرة وسألعب بها ، وأضيف ملكك إلى ملكي .
وأمّا السمسم فقد تيمّنت أيضا به ، لأنّه بعيد عن الحرافة « 1 » والمرارة . وأمّا الدّجاجة التي كانت تبيض ذاك البيض فقد ذبحتها ، وأكلت لحمها .
فغضب دارا ، وسار إليه بجموعه ، وسار الإسكندر بجموعه ، والتقيا على نصيبين الجزيرة ، فلمّا همّ دارا بالقتال بعث إليه الإسكندر يقول له : أيّها الملك ، لا تفعل ؛ فإنّ دماء الملوك لا تجوز إراقتها ، وهدم البيوت القديمة غير محمود ، والبغى ذميم العقبى ، والحرب غير مأمونة العاقبة ، وأصحابك قد ملّوك وكرهوك لسوء سيرتك ، فارجع فإنّك تحمد قولي .
فلم يلتفت إليه دارا ، وأقاما يتحاربان مدّة . ثم إنّ الإسكندر دبّر حيلة ، وهو أنّه لما وقع الملل بين الفريقين برز منادى الإسكندر فقال : يا معشر الفرس ، قد علمتم ما كان من مكاتبتكم لنا ، وما كتبنا لكم « 2 » من الأمان ؛ وقد طال القتال ؛ فمن كان منكم على غير « 3 » قتال فليعتزل ، وله الوفاء بالعهد .
فاتّهمت الفرس بعضها بعضا واضطربوا ، فكان ذلك من أسباب خذلان دارا . ثم وثب على دارا رجلان من أصحابه فطعناه من خلفه فوقع ، وكان الإسكندر نادى : من ظفر بدارا فلا يقتله ، فجاء الرّجلان إلى الإسكندر ، فقالا : قد قتل
هامش
( 1 ) الحرافة ، بفتح الحاء : طعم يحرق اللسان والفم .
( 2 ) ت : « ومكاتبتنا لكم » .
( 3 ) د : « على العهد » .