حكى الهجيمىّ : أن أكثم بن صيفىّ لما بلغه مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لقومه : احملونى إليه ، فقالوا : لا واللّه ، وأنت سنّ من أسنان العرب . قال :
فليأته أحدكم فليسأله عن ربّه ، وعمّا أمره به . فأتى حبيش بن أكثم فقال :
يا محمّد ، بم بعثك ربّك ؟ قال : بعثني بأن أكسّر الأوثان ، قال : بم أمرك ؟
قال :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
« 1 » .
فانصرف حبيش إلى أبيه ، فأخبره بكلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتلا عليه الآية الشريفة ، فجعل يرددها ويقول : إن هذا لربّ كريم ، يأمر بمحاسن الأخلاق ، وينهى عن مساوئها ، ثم جمع إليه بنى تميم وقام فيهم خطيبا وعمره إذ ذاك مائة وتسعون سنة ، وفي ذلك يقول :
وإنّ امرأ قد عاش تسعين حجّة * إلى مائة لم يسأم العيش جاهل « 2 »
ويروى : « لخمس فلم يسأم » ، على أن عمره خمس وتسعون سنة ، وهو الأقرب .
ثم قال : يا بنى تميم ، لا تحضروا إلىّ سفيها ؛ فإنّ السفيه يوهن من فوقه ، ويتبّب من دونه - أي يهلكه - ولا خير فيمن لا عقل له . إنّ ابني شاهد هذا الرجل الذي ظهر بمكة وشافهه ، وهو يأمر بمحاسن الأخلاق ، ويدعو إلى توحيد اللّه عزّ وجلّ ، وخلع الأوثان . وقد عرف ذوو الرأي منكم أن الفصل في ما يدعو إليه ، وإن أحقّ الناس بمعاونته لأنتم ؛ فإن كان الذي يدعو إليه حقّا فهو لكم ،
هامش
- المخضرمون الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ولا رأوه ؛ سواء أسلموا في حياته أم لا ، قال : « وهؤلاء ليسوا بأصحابه باتفاق من أهل العلم بالحديث » .
( 1 ) سورة النحل 90
( 2 ) الإصابة 1 : 119 .