وهو من الثّلاثة المطبوعين الّذين لا يقدر على جمع شعرهم لكثرته : بشّار ، والسّيّد الحميرىّ ، وأبو العتاهية .
كان أوّل أمره يبيع الجرار على رأسه ، ثم تولّع بالنّظم ، وكان فيه من العجائب ؛ قيل له : كيف تقول الشعر ؟ قال : ما أردته قطّ إلا تمثّل لي فاخذ منه ما أريد ، وأترك ما لا أريد .
وكان أبو نواس يقول : ما رأيته قطّ [ إلّا ] « 1 » تمثل لي أنه سماوىّ ، وأنني أرضىّ .
وأكثر شعر أبى العتاهية في الزّهد ، وكان قد تنسّك وتزهّد إلى أن مات .
قال أحمد بن الحارث : كان مذهب أبي العتاهية القول بالتوحيد ، وأنّ اللّه تعالى خلق جوهرين متضادّين لا من شيء ؛ ثم إنّ اللّه تعالى بنى العالم هذه البنية منهما ، وأنّ العالم حديث العين والصّفة « 2 » لا محدث له إلّا اللّه ؛ وكان يزعم أنّ اللّه سيعيد كلّ شيء إلى الجوهرين المتّصلين قبل أن تفنى الأعيان جميعا ؛ وكان يقول بالوعيد ، وتحريم المكاسب ؛ وكان يتشيّع « 3 » على مذهب الزّيديّة ، ولا ينتقص أحدا ، ولا يرى الخروج على السّلطان .
وكان مجبرا ؛ « 4 » حدّث الجاحظ ، قال : قال أبو العتاهية لثمامة بن أشرس بين يدي المأمون - وكان كثيرا ما يعارضه بقوله في الأخبار : أسألك عن مسألة ، فقال له المأمون : عليك بشعرك ! فقال : إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في مسألته « 5 » ، ويأمره بإجابتى ! فقال : أجبه إذا سأل ، قال : أنا أقول : [ إنّ ] « 6 » ما يفعله العباد من خير وشرّ فهو من اللّه تعالى ، وأنت تأبى ذلك ، فمن حرّك
هامش
( 1 ) من ت والأغانى 4 : 1 ( طبعة دار الكتب ) .
( 2 ) الأغانى : « والصنعة »
( 3 ) ت الأغانى : « ويتشيع » .
( 4 ) أي منسوبا إلى الجبر ؛ وهو القول بأن اللّه يجبر العباد على الذنوب ؛ أي يكرههم عليها
( 5 ) ط : 8 « مسألتي » ؛ والصواب ما أثبته من ت والأغانى .
( 6 ) من ت والأغانى .