تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وحملا ، والسّرف في الدماء ؛ فإن قتل أهل الهباءة أورثنى العار ، ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق . ثم رحل إلى عمان ، فأقام بها حتى مات . وقيل : إنه خرج هو وصاحب له من بنى أسد ، عليهما المسوح يسيحان في الأرض ، ويتقوّتان مما تنبت ، إلى أن دفعا في ليلة قرّة إلى أخبية لقوم من العرب ، وقد اشتدّ بهما الجوع ، فوجدا رائحة القتار « 1 » ، فسعيا يريدانه ، فلما قاربا أدركت قيسا شهامة النفس والأنفة ، فرجع وقال لصاحبه : دونك وما تريد ؛ فإن لي لبثا على هذه الأجارع ، أترقّب داهية القرون الماضية . فمضى صاحبه ورجع من الغد ، فوجده قد لجأ إلى شجرة بأسفل واد ، فنال من ورقها شيئا ثم مات . وفي ذلك يقول الحطيئة من أبيات :
إنّ قيسا كان ميتته * أنفا والحرّ منطلق
في دريس لا يغيّبه * ربّ حرّ ثوبه خلق
ومن شعر قيس بن زهير يرثى حمل بن بدر ، يقول :
تعلّم أنّ خير النّاس ميت * على جفر الهباءة لا يريم « 2 »
ولولا ظلمه ما زلت أبكى * عليه الدّهر ما بدت النجوم « 3 »
ولكنّ الفتى حمل بن بدر * بغى والبغى مرتعه وخيم
أظنّ الحلم دلّ علىّ قومي * وقد يستجهل الرّجل الحليم
ومارست الرّجال ومارسونى * فمعوجّ علىّ ومستقيم
وقوله أيضا :
تعرّفن من ذبيان من لو لقيته * بيوم حفاظ طار في اللّهوات
هامش
( 1 ) القتار : رائحة الشواء . ( 2 ) ديوان الحماسة - بشرح التبريزي 1 : 397 ( 3 ) الحماسة : « ما طلع النجوم » .