أدعوهم وأعرض عليهم ؛ فقلت أنت : إنّه يدعوكم إلى خير ، ولا أسمع إلّا حسنا ؛ فإنّى رجعت إلى النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته بمقالتك ، فقال : اللهم اغفر للأحنف ! قال : فما شيء أرجى لي منها .
وسمّى الأحنف لحنف في رجله ، وكانت أمّه ترقصه وهو طفل ، فتقول :
واللّه لولا حنف في رجله * ما كان في فتيانكم من مثله
يقال : تحانف الرجل في مشيته ، وهو أن تقبل الرّجل بالإبهام على الأخرى .
وقال عبد الملك بن عمير : وفد علينا الأحنف مع مصعب بن الزبير الكوفة ، فما رأيت منظرا يذمّ إلا رأيته فيه ؛ كان ضئيلا ، أصلع الرأس ، متراكب الأسنان ، باخق « 1 » العينين ، وكان إذا تكلّم جلّى عن نفسه .
وقال الشعبىّ : أوفد أبو موسى الأشعرىّ وفد البصرة إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، وفيهم الأحنف بن قيس ، فلمّا قدموا على عمر ، تكلّم كلّ رجل منهم في حاجة نفسه ؛ وكان الأحنف في آخر القوم ، فحمد اللّه تعالى وصلّى على نبيّه ، ثم قال : أمّا بعد يا أمير المؤمنين ، فإنّ أهل مصر نزلوا منازل فرعون وأصحابه ، وأهل الشام نزلوا منازل قيصر ، وأهل الكوفة نزلوا منازل كسرى ومصانعه ؛ في الأنهار العذبة والجنان المخصبة ، وفي مثل عين البعير « 2 » ، وكالحوار في السّلى « 3 » ، تأتيهم ثمارهم قبل أن تتغيّر ؛ وإن أهل البصرة نزلوا في أرض سبخة
هامش
( 1 ) باخق العينين ، منخسف العينين .
( 2 ) الفائق : « نزلوا في مثل حدقة البعير من العيون العذاب » ، قال في شرحه : « شبه بلادهم في خصبها وكثرة مائها بحدقة البعير وحولاء الناقة ، لأن الحدقة توصف بكثرة الماء .
وقيل : أراد أن خصبها دائم لا ينقطع » .
( 3 ) الحوار : الفصيل أول ما ينتج ، والسلى : الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد ؛ تكون للناس والإبل والخيل . وفي الفائق : وروى « إن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حولاء الناقة » . قال في شرحه : « والحولاء : جلدة رقيقة تخرج مع الحوار كأنها مرآة مملوءة ماء أصفر » .