بذات الصدور ، ثم من بعده هذه المحاورات كلها ؛ لازمت الفقراء فرأيت من بركاتهم أشياء ، وقد خضت والحمد للّه بحرهم ، واقتطفت زهرهم ، وكلمتي للسالك ، تشهد لي بذلك « 1 » :
سرت لي من روض الحقائق أزهار * فنيلت لبانات هناك وأوطار
وهبت علينا نسمة حاجريّة « 2 » * فأضحى بها روض المنى وهو معطار
شموس معان أشرقت بقلوبنا * وما أفقها إلا رحيق وخمار
عهدت بها أنسي وآنست نارها * فلاحت لنا من ذلك الأنس « 3 » آثار
وأدركت سر الوتر في عرصاتها * على أن شفعي فيه تدرك أسرار
وليلاي « 4 » ما فارقتها غير أنها * أضاءت لنا منها على البعد أقمار
لئن حجبت عني بحسن مبرقع * فلي في سناها من وجودي أسفار
وغيبتها عين الحضور وبعدها * دنو وليل الوصل عندي تذكار
ولا ناطق إلا يترجم باسمها * وأضمار « 5 » شجواه لدى الحب أطمار
وكل فناء للفناء مآله * فقد قربت منه بذاتك أسطار
تجرد عن الأكوان طرا فإنها * حجاب به سدّت لدى الحق أنهار
أسكان سلع « 6 » لا أحب سواكم * وإن طرقت قلبي هموم وأفكار
وإني لأهواكم على كل حالة * سواء تناهت أو تدانت بي الدار
وكم نلت منكم من منى غير أنني * لجفني دمع باشتياقي مدرار
أليس عجيبا أن وصلا يشوقني * فأرتاح من شوق كأني خطار
هامش
( 1 ) من الطويل .
( 2 ) الحاجز : الأرض ترتفع جوانبها ، وينخفض وسطها .
( 3 ) فراغ في ( ب ) .
( 4 ) في ( ب ) وليالي ؛ وما في ( أ ) أدق لأنه رمز صوفي .
( 5 ) في ( ب ) واضما .
( 6 ) موضع ، وأصل السلع في اللسان : الشق في الجيل ونحوه ، وشجر ينبت في اليمن .