وأما فراسة الولي فمددها من كذا ، وحالها 74 و / / من كذا ، وتكلم في ذلك بكلام موهوب أدهش به قلوب الحاضرين واستغرق في ذلك إلى أذان الظهر ، والناس يبكون ، ورأيت العرق ينحدر من بين جبينه حتى يسيل على لحيته ، وكانت له لحية كبيرة ، فلما صحا من حاله قال : وأما فراسة الصديقين فمثلي مع أستاذي - رضي اللّه عنه - أخذت أخذة ، فكنت بين يدي العرش ، فرأيت الشيخ أبا مدين « 1 » - رضي اللّه عنه - فقلت له : من أنت وما علومك ، وما أتاك اللّه ؟
فقال لي : أنا رأس السبعة ، وأحد الأربعة ، ومعي من العلوم أحد وسبعون علما ، فقلت له : فما فعل الشيخ أبو الحسن الشاذلي ؟ فقال : سبقني بأربعين علما .
فلما أصبح دخلت على أستاذي - رضي اللّه عنه - فقال لي : يا أبا العباس كنت البارحة بالملكوت الأعلى فرأيت الشيخ « أبا مدين » فقلت له : من أنت ، وما علومك وما أتاك اللّه ؟ فقال : أنا رأس السبعة وأحد الأربعة ، ومعي من العلوم أحد وسبعون علما ، فقلت له : فما فعل الشيخ أبو محمد ابن مشيش « 2 » - يعني أستاذه أيضا - فقال : هيهات ، سبقني بأربعين علما ، هو البحر الذي لا يحاط به ، ثم رفع يديه ، وأخذ في الدعاء ، فتزاحم الناس عليه يتمسحون بأثوابه ، ويتبركون به . قال : وتعجبوا مما سمعوا منه من أسرار اللّه تعالى « 3 » .
هامش
( 1 ) هو شعيب بن حسين الأنصاري الأندلسي : أصله من حصن قطنيانة من عمل إشبيلية ثم نزل بجاية ، واستوطنها مدة ، ثم تلمسان ، توفي وهو في طريقه إلى مراكش ، واختلف في سنة وفاته ، فقيل : 593 ه - 1196 م ، وقيل : 588 ه . كان زاهدا ، فاضلا ، عارفا باللّه ، حتى نال من المعارف أسرارا . انظر : التشوف إلى رجال التصوف : 316 ، وطبقات الأولياء : 437 - 438 .
( 2 ) هو عبد السلام بن مشيش بن أبي بكر منصور ، أبو محمد الإدريسي الحسني . ت : 622 ه - 1225 م . ناسك ، اشتهر بصلاة تدعى : الصلاة المشيشية وقد شرحها كثيرون ، قتل شهيدا في جبل العلم ، ودفن بقنته . انظر : جامع كرامات الأولياء : 2 / 69 .
( 3 ) درة الأسرار : 152 - 153 .