تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
وأنشد أبو عمرو :
إنّ أبا عمرة شرّ جار * يجرّني في ظلم الصحاري جرّ الذئاب جيفة الحمار
وأبو عمرة هو الجوع . قيل لأعرابيّ : أتعرف أبا عمرة ؟ فقال : كيف لا أعرفه ؟ وهو متربّع في كبدي . اتخذ بنو حنيفة إلها من حيس « 1 » فعبدوه سنين ثم أصابهم مجاعة فأكلوه . دعا يحيى بن أكثم عدوله فقدّم إليهم مائدة صغيرة ، فتضامّوا عليها حتى كان أحدهم يتقدّم فيأخذ اللقمة ثم يتأخر حتى يتقدّم الآخر ، فلمّا خرجوا قيل لهم : أين كنتم ؟ قالوا : كنّا في صلاة الخوف . سئل بعض الظرفاء عن دعوة حضرها فقال : كان كلّ شيء باردا إلّا الماء . بنى بدويّ على أهله ولم يولم ، فاجتمع فتيان الحيّ يطوفون بخبائه وهم يقولون : أولم ولو بيربوع ، أو بقراد مجدوع ، قتلتنا من الجوع . سأل رجل يزيد بن هارون عن أكل المدر قال : حرام ، قال اللّه تعالى :
كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ
« 2 » ولم يقل : كلوا الأرض . قيل لشيخ : ما أحسن أكلك ؟ قال : عملي منذ ستين سنة . رأى المغيرة على مائدته رجلا ينهش اللحم ويتعرّق فقال : يا غلام ناوله سكينا . فقال : سكين كل امرئ في رأسه . قيل لسعد القرقرة وهو مضحك النعمان بن المنذر : ما رأيتك إلا وكنت تزيد شحما وتقطر دما . فقال : لأني آخذ ولا أعطي ولا ألام متى أخطئ فأنا الدهر ضاحك مسرور . ( القرقرة : القهقهة ) ، وهو معدود في الأكلة . قالوا : كلّ طعام أعيد عليه التسخين فهو فاسد ، وكل غناء خرج من تحت السبال « 3 » فبارد . شرب أعرابيّ نبيذا عند الموصلي فقال :
هامش
( 1 ) الحيس : التمر . ( 2 ) سورة البقرة الآية 168 ، وأوّلها :يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً . .. ( 3 ) السّبال : ج سبلة ، وهي طرف الشارب من الشعر ، والدائرة التي في وسط الشفة العليا . يريد خرج من فمه .