تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
خليفتك ، وإشفاقك من كل خلل وخلّة دخل على ملكه وإن دقّ ، ونال سلطانه وإن صغر ، ومن كلّ أمر خالفه وإن خفي مكانه ، وجانب وإن قلّ ضرره ؛ ومن تخوّفك أن يجد المتأوّل إليه طريقا والعدوّ عليه متعلّقا ؛ فإنّ السلطان لا يخلو من متأوّل ناقم ، ومن محكوم عليه ساخط ، ومن معدول عن الحكم زار ، ومن متعطّل متصفّح ، ومن معجب برأيه ذي خطل في بيانه ، مولع بتهجين الصّواب ، وبالاعتراض على التّدبير ، حتّى كأنه رائد لجميع الأمّة ، ووكيل لسكان جميع المملكة ؛ يضع نفسه في موضع الرّقباء ، وفي موضع التصفّح على الخلفاء والوزراء ؛ لا يعذر وإن كان مجاز العذر واضحا ، ولا يقف فيما يكون للشكّ محتملا ، ولا يصدّق بأنّ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، وأنّه لا يعرف مصادر الرّأي من لم يشهد موارده ، ومستدبره من لم يعرف مستقبله . ومن محروم قد أضغنه الحرمان ، ومن لئيم قد أفسده الإحسان . ومن مستبطئ قد أخذ أضعاف حقّه ، وهو لجهله بقدره ، ولضيق ذرعه وقلّة شكره ، يظنّ أن الذي بقي له أكثر ، وأنّ حقّه أوجب . ومن مستزيد لو ارتجع السلطان سالف أياديه البيض عنده ، ونعمه السّالفة عليه ، لكان لذلك أهلا ، وله مستحقّا قد غرّه الإملاء ، وأبطره دوام الكفاية ، وأفسده طول الفراغ . ومن صاحب فتنة خامل في الجماعة ، رئيس في الفرقة ، نعّاق في الهرج ، قد أقصاه السلطان ، وأقام صغوه ثقاف الأدب ، وأذلّه الحكم بالحقّ ، فهو مغيظ لا يجد غير التشنيع ، ولا يتشفّى بغير الإرجاف ، ولا يستريح إلّا إلى الأماني ، ولا يأنس إلّا بكلّ مرجف كذّاب ، ومفتون مرتاب ، وخارص لا خير فيه ، وخالف لا غناء عنده ، يريد أن يسوّى بالكفاة ، ويرفع فوق الحماة ؛ لأمر [ ما ] سلف له ، ولإحسان كان من غيره ، وليس ممّن يربّ قديما بحديث ، ولا يحفل بدروس شرف ، ولا يفصل بين ثواب المحتسبين ، وبين الحفظ لأبناء المحسنين . وكيف يعرف فرق ما بين حقّ الذّمام وثواب الكفاية ، من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه ، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله . ثم أعلمتني بذلك أنّك بنفسك بدأت في تعظيم امامك ، والحفظ لمناقب
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 474 | الجاحظ / علي أبو ملحم