تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
الصحابة عن خلعهما والخروج عليهما ، وهم الذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل ورد النصوص ، ولو كان كما تقولون وما تصفون ما كان سبيل الأمة فيهما إلا كسبيلها فيه ، وعثمان كان أعز نفرا ، وأشرف رهطا ، وأكثر عددا وثروة وأقوى عدة ؟ قلنا : إنهما لم يجحدا التنزيل ولم ينكرا النصوص ، ولكنهما بعد اقرارهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة ، ادعيا رواية وتحدثا بحديث لم يكن محالا كونه ولا ممتنعا في حجج العقول مجيئه ، وشهد لهما عليه من علته مثل علتهما فيه ، ولعل بعضهم كان يرى تصديق الرجل إذ كان عدلا في رهطه مأمونا في ظاهره ، ولم يكن قبل ذلك عرفه بفجرة ولا جرب عليه غدرة ، فيكون تصديقه له على جهة حسن الظن وتعديل الشاهد ، ولأنه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج والذي يقطع بشهادته على الغيب ، وكان ذلك شبهة على أكثرهم . فلذلك قلّ النكير وتواكل الناس فاشتبه الأمر فصار لا يتخلص إلى معرفة حق ذلك من باطله إلا العالم المتقدم ، أو المؤيد المرشد . ولأنه لم يكن لعثمان في صدور العوام وقلوب السفلة والطغام ما كان لهما من المحبة والهيبة ، ولأنهما كانا أقل استئثارا بالفيء وتفضلا بمال اللّه منه . ومن شأن الناس إهمال السلطان ما وفر عليهم أموالهم ولم يستأثر بخراجهم ولم يعطل ثغورهم ، ولأن الذي صنع أبو بكر من منع العترة حقها والعمومة ميراثها قد كان موافقا لجلة قريش وكبراء العرب ، ولأن عثمان أيضا كان مضعوفا في نفسه مستخفا بقدره لا يمنع ضيما ولا يقمع عدوا ، ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذع والتشنيع والنكير لأمور لو أتى أضعافها وبلغ أقصاها لما اجترءوا على اغتيابه فضلا على مباداته والإغراء به ومواجهته ، كما أغلظ عيينة بن حصن له فقال له : أما لو كان عمر لقمعك ومنعك ! فقال عيينة : إن عمر كان خيرا لي منك ، رهبني فاتقاني وأعطاني فأغناني . والعجب أنا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد يرد كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب