تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
معنا » لا ولا قال أحد من الأمناء ولا من جميع الجمهور والدهماء : « فيهم واحد لم يكن ينبغي أن يكون فيهم وفينا واحد كان ينبغي أن يكون معهم » ؛ فتمّت الكلمة وشاع الرضى واستفاض التسليم . وقالوا : فعليّ لا يصلح لها من هذه الوجوه وطلحة والزبير لا يصلحان لها من حيث ذكرنا ، وسعد هو الذي لا يجوز أن يجيء منه ملك ولا إمام في كفر ولا إسلام ، لأنّ من لم يدفع عن بيضة الملك بالسيف فهو مقتول وأمره ضائع ، ولم يطلب ملكك أحد فرضي بأخذه دون أن يأخذ نفسك مع الملك ، وهذا قائم منذ كانت الدنيا ، ولو أمّنه أن يثب به أو يثب من أجله واثب ما دام حيا لكان استبقاؤه أحبّ إليه وألذ له وأبلغ عنده فيما يريد .

[ 35 - احتج السفيانية بأنه لا بد من الدين والسيف في الملك ]

وقالوا : ولو ادّعى رجل عندنا النبوّة وذكر أنّه يستشهد إحياء الموتى والمشي على الماء ، ثمّ زعم أنّ الملك مستقيم دون منعه بالسيف والسوط ، لعلمنا أنّه لم يكن ليأتي بعلامة أبدا ولا يقيم شاهدا على دعواه أبدا ، إلا أن يأتي قوم طبائعهم على خلاف طبائعنا وحالاتهم على خلاف حالاتنا وعاداتهم على خلاف عاداتنا وأسبابهم على خلاف أسبابنا ؛ فأمّا والأمر على ما شاهدنا من طبائع الناس اليوم وعلى ما سمعنا من طبائع العرب في جاهليّتها وإسلامها والعجم في سالف أيّامها ، فانّ ذلك لا يجوز ولا يقوله من يعرف الدنيا وما فيها ؛ ولذلك لم يكن للزنادقة مملكة قطّ ولا تكون أبدا ، ولقد اضطرّ الأمر نصارى الروم ونصارى الحبشة إلى الدفع بالسيف حين رغبت في الملك ومالت إلى الدنيا مع علم جميع العالم أنّ القتال ليس من دينها ولا من مذهبها . ألا ترى أنّ اللّه لم يخل الدنيا من أن يجعل فيها نبيّا يحمل السلاح ويقيم جزاء الحسنة والسيئة ويستعمل السيف والسوط ، أو يضمّ إليه ملكا يذبّ عن النبوّة بعز الملك ويدعو النبيّ إلى طاعته برأفة النبوّة ؛ فأمّا أن يرفع أحدهما من