تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
والأخثاء ، وكذلك مواقد الكيران . وتمتلئ ركايا دورهم عذرة فلا يصيبون لها مكانا ، فيحفرون لذلك في بيوتهم آبارا ، حتّى ربما حفر أحدهم في مجلسه ، وفي أنبل موضع من داره . فليس ينبغي لمن كان كذلك أن يعيب البصريّين بالتّسميد . فصل منه : وليس في الأرض بلدة أرفق بأهلها من بلدة لا يعزّ بها النّقد ، وكلّ مبيع بها يمكن . فالشّامات وأشباهها الدّينار والدّرهم بها عزيزان ، والأشياء بها رخيصة لبعد المنقل ، وقلّة عدد من يبتاع . ففي ما يخرج من أرضهم أبدا فضل عن حاجاتهم . والأهواز ، وبغداد ، والعسكر ، يكثر فيها الدّراهم ويعزّ فيها المبيع لكثرة عدد الناس وعدد الدراهم . وبالبصرة الأثمان ممكنة والمثمّنات ممكنة ، وكذلك الصّناعات ، وأجور أصحاب الصناعات . وما ظنّك ببلدة يدخلها في البادي من أيّام الصّرام إلى بعد ذلك بأشهر ، ما بين ألفي سفينة تمر أو أكثر في كلّ يوم ، لا يبيت فيها سفينة واحدة ، فإن باتت فإنّما صاحبها هو الذي يبيّتها . لأنّه لو كان حطّ في كلّ ألف رطل قيراطا لانتسفت انتسافا . ولو أنّ رجلا ابتنى دارا يتمّمها ويكمّلها ببغداد ، أو بالكوفة ، أو بالأهواز ، وفي موضع من هذه المواضع ، فبلغت نفقتها مائة ألف درهم ، فإنّ البصريّ إذا بنى مثلها بالبصرة لم ينفق خمسين ألفا ، لأنّ الدّار إنّما يتمّ بناؤها بالطّين واللّبن ، وبالآجرّ والجصّ ، والأجذاع والسّاج والخشب ، والحديد والصّنّاع ، وكّل هذا يمكن بالبصرة على الشّطر مما يمكن في غيرها . وهذا معروف . ولم نر بلدة قطّ تكون أسعارها ممكنة مع كثرة الجماجم بها إلّا البصرة :