تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
وقد تعلمون كثرة عدد أنهار البصرة ، وغلبة الماء ، وتطفّح الأنهار . وتبقى النّخلة عشرين ومائة سنة وكأنّها قدح . وليس يرى من قرب القرية التي يقال لها « النّيل » إلى أقصى أنهار الكوفة نخلة طالت شيئا إلا وهي معوجّة كالمنجل . ثم لم نر غارس نخل قطّ في أطراف الأرض يرغب في فسيل كوفي ، لعلمه بخبث مغرسه ، وسوء نشوّه ، وفساد تربته ، ولؤم طبعه . وليس لليالي شهر رمضان في مسجدهم غضارة ولا بهاء ، وليس منار مساجدهم على صور منار البصرة ، ولكن على صور منار الملكانية واليعقوبيّة . ورأينا بها مسجدا خرابا تأويه الكلاب والسّباع ، وهو يضاف إلى عليّ بن أبي طالب ، رضوان اللّه عليه . ولو كان بالبصرة بيت دخله عليّ بن أبي طالب مارّا لتمسّحوا به وعمروه بأنفسهم وأموالهم . وخبّرني من بات أنّه لم ير كواكبها زاهرة قطّ ، وأنّه لم يرها إلّا ودونها هبوة ، وكأنّ في مائهم مزاج دهن . وأسواقهم تشهد على أهلها بالفقر . وهم أشدّ بغضا لأهل البصرة من أهل البصرة لهم ، وأهل البصرة هم أحسن جوارا ، وأقلّ بذخا ، وأقلّ فخرا . ثم العجب من أهل بغداد وميلهم معهم . وعيبهم إيّانا في استعمال السّماد في أرضنا ولنخلنا ، ونحن نراهم يسمّدون بقولهم بالعذرة اليابسة صرفا ، فإذا طلع وصار له ورق ذرّوا عليه من تلك العذرة اليابسة حتّى يسكن في خلال ذلك الورق . ويريد أحدهم أن يبني دارا فيجيء إلى مزبلة ، فيضرب منها لبنا ، فإن كانت داره مطمئنّة ذات قعر حشا من تلك المزبلة التي لو وجدها أصحاب السّماد عندنا لباعوها بالأموال النفيسة . ثم يسجرون تنانيرهم بالكساحات التي فيها من كلّ شيء ، وبالأبعار