تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
وإذا بعد من مدخله إلى البصرة من الشّقّ القصير ، جرى منقضّا إلى الصّخور والحجارة ، فراسخ وفراسخ ، حتّى ينتهي إلينا . ويدلّ على صلاح مائهم كثرة دورهم ، وطول أعمارهم ، وحسن عقولهم ، ورفق أكفّهم ، وحذقهم لجميع الصناعات ، وتقدّمهم في ذلك لجميع الناس . ويستدلّ على كرم طينهم ببياض كيزانهم وعذوبة الماء البائت في قلالهم ، وفي لون آجرّهم ، كأنّما سبك من محّ بيض . وإذا رأيت بناءهم وبياض الجصّ الأبيض بين الآجرّ والأصفر لم تجد لذلك شبها أقرب من الفضّة بين تضاعيف الذهب . فإذا كان زمان غلبة ماء البحر فإنّ مستقاهم من العذب الزّلال الصافي ، النّمير في الأبدان ، على أقلّ من فرسخ ، وربّما كان أقلّ من ميل . ونهر الكوفة الذي يسمّونه إنّما هو شعبة من أنهار الفرات ، وربّما جفّ حتّى لا يكون لهم مستقى إلّا على رأس فرسخ ، وأكثر من ذلك ، حتّى يحفروا الآبار في بطون نهرهم ، وحتّى يضرّ ذلك بخضرهم وأشجارهم . فلينظروا أيّما أضرّ وأيّما أعيب . وليس نهر من الأنهار التي تصبّ في دجلة إلّا هو أعظم وأكبر وأعرض من موضع الجسر من نهر الكوفة ، وإنّما جسره سبع سفائن ، لا تمرّ عليه دابّة لأنها جذوع مقيّدة بلا طين ، وما يمشي عليه الماشي إلا بالجهد ، فما ظنّك بالحوافر والخفاف والأظلاف ؟ ! وعامّة الكوفة خراب يباب ، ومن بات فيها علم أنّه في قرية من القرى . ورستاق من الرّساتيق ، بما يسمع من صياح بنات آوى ، وضباح الثّعالب ، وأصوات السباع . وإنّما الفرات دمما إلى ما اتّصل به إلى بلاد الرّقّة ، وفوق ذلك . فأمّا نهرهم فالنّيل أكبر منه ، وأكثر ماء ، وأدوم جرية
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 118 | الجاحظ / علي أبو ملحم