العمر . وما أرى حفظك اللّه بهذا القياس بأسا في ظاهر الرأي وما أجده بعيدا في أغلب الظن ، ولو كنت أقتل ذلك علما وأعلمه يقينا لكان أحب الأمور إلى أن يكون لي فيه سلف صدق وإمام لا يغلط ، وأن أحكيه عن معدل وأسنده إلى مقنع ! فقل نسمع وأشر نتبع ! يعجبني - جعلت فداك - منك بغض الشهرة ودبيبك في غمار الحشوية استغناء بنفسك ، وصونا لقدرك ، ومعرفة بما أعطيت ، وثقة بالذي أوتيت . وما أقل بحمد اللّه ما سبقك به إبليس ، وما أيسر ما فاتك به آدم . فزاد اللّه شاكرك نعمة وناصرك عزة . وقد ذكرت الرواة في المعمرين وصنعت في ذلك أخبارا ، ولم نجد على ذلك شهادة قاطعة ولا دلالة قائمة ، ولا نقدر على ردها بجواز معناها ، ولا على تثبيتها إذ لم يكن معها دليل يثبتها ، وقد تعرف ما في الشك من الحيرة ، وما في الحيرة من القلق ، وما في القلق من النصب ، وما في النصب من طول الفكرة وما في طول الفكرة من الوحشة ، وما في طول الوحشة من التعرض للوساوس والخفقة وما في إتعاب القلب وإنضاء النفس من كلال الحد ، وما في الإلحاح من دواعي الضجر ، وما في الجهل من النقص ، وما في نزاع النفس من الكد . فافتح لبيتك بابا نسترح إليه ، وأقم له علما نقف عنده . فقد علمت ما ذكروا من عمر نابغة بني جعدة ، ومالك ذي الرقيبة ، ونصر بن دهمان ، وابن بقيلة الغساني ، والربيع بن ضبيع ، ودويد بن نهد . وأنت أبقاك اللّه تعرف ميلاد آبائهم وأجدادهم وقبائلهم وعمائرهم وأصولهم وأجذامهم ، فخبرني أكذبوا أم صدقوا ، أم اقتصدوا أم أسرفوا .
فأما ما رووا لأجسام الناس من الطول والعرض ، وثبتوا لهم من السمن والعظم والضخم سوى ما نطق به الكتاب عن أجسام عاد ، فالشاهد على كذبهم حاضر ، والدليل على فساد عقولهم ظاهر ، كالذي رأينا من أقدار سيوف الأشراف وأزجّة رماح الفرسان ، وكتيجان الملوك التي في الكعبة ، وكضيق أوابهم وقصر سمك عتب درجهم في قصورهم العادية ومدنهم
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 449
مساهمون: الجاحظ
ص٤٤٩