تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
خلقه خير من جديد غيره . وصداقة المتطرّف غرور ، وملالة الصّديق أفن ، والعلم بأقدار الذّنوب غامض ، وحدود الذنوب في العقاب خفيّة . ولن يعرف العقاب من يجهل قدر الذّنب . والأجرام كثيرة الأشكال ، ومتفاوتة في الأقدار . وإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك من مقدار عقابك عليه فانظر في علّته وسببه ، وإلى معدنه الذي منه نجم ، وعشّه الذي منه درج ، ومغرسه الذي منه نبت ، وإلى جهة صاحبه في التّتابع والتّترّع ، وفي النزوع والثّبات ، وإلى قحته عند التقريع ، وإلى حيائه عند التعريض ، وإلى فطنته عند الرشق والتورية ؛ فإنّ فضل الفطنة ربّما دلّ على فرط الاكتراث ، وعلى قدر الاكتراث يكون الإقدام والإحجام . فكلّ ذنب كان سببه الدالّة وضيق صدر وغلظ طباع وحدّة مرار ، من جهة تأويل أو من جهة غلط في المقادير ، أو من طريق [ فرط ] الأنفة وغلبة طباع الحميّة من بعض الجفوة أو لبعض الأثرة ، أو من جهة استحقاقه عند نفسه وفيما زيّن له من عمله ، وأنّه مقصّر به مؤخّر عن مرتبته ، أو كان مبلّغا عنه أو مكذوبا عليه ، وكان ذلك جائزا عليه غير ممتنع فيه - فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل وعلى هذه الأسباب ، وفي هذه المجاري ، فليس يقف عليها كريم ، [ ولا يلتفت لها حليم ] . ولست أسمّيه بكثرة معروفه كريما حتى يكون عقله غامرا لعلمه ، وعلمه غالبا لطبعه ، وحتى يكون عالما بما ترك ، وعارفا بما أخذ . واسم الحليم جامع للكظم ، والقدرة ، والفهم . فإذا وجدت الذنب بعد ذلك لا سبب له إلّا البغضة فلو لم ترض لصاحبه بعقاب دون قعر جهنم لعذرك كثير من العقلاء ، ولصوّب رأيك عالم من الأشراف . ومتى كانت ( علّته طبيعة البذاء ، وخلقه الشّرارة والتسرّع ، فاقتله قتل العقارب ، وادمغه دمغ رؤوس الحيات .